السبت، 11 مايو 2013

تتقلب الفتاوى وتستمر الحياة!


* فضلاً قراءة المقال دون تشنجات أو أحكام مسبقة.

تجري الأيام بسرعة، ولا يسابقها هذه السرعة إلا الفتاوى وتقلبها. حينما تتأمل فتاوى التحريم التي لم تستند على أدلة واضحة، وكان أساسها ما "قد" تجر إليه من مفسدة لأدركت مباشرة سبب سقوط تلك الفتاوى بأيدي من أفتوا بها تحديداً.
إذا أردت أن تستعرض تلك التقلبات فيجب أن تعود إلى بداية قيام المملكة العربية السعودية حينما عارض بعض المشائخ السيارات لإعتبارات متعددة، كما عارضوا الراديو والدراجة وبالطبع التلفاز، ثم كان تعليم الفتيات لينتفض المجمتع "غيرة" على محارمهم من الدراسة في مدارس مفصولة. من أفتوا بتحريم تلك الأمور كانوا شيوخ لهم أسم ومكانه في ذلك الزمان. بالتأكيد سقطت كل تلك الفتاوى التي لم تكن تعتمد على قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما اجتهاد من أناس لم يكن لديهم الإدراك الكافي، ولكن كانوا يملكون من الجرأة أن يحرموا ما أحل الله. وغني عن القول أن كل الشعب بما فيهم المشائخ الذين حرموا استفادوا من كل أو بعض ما كان محرماً أعلاه.
القصة هنا لم تنتهي، والزمان يعيد نفسه مراراً وتكراراً بشكل غريب وكأن لا أحد يتعلم من الماضي. بدأت القنوات الفضائية وانتشرت الأطباق اللاقطة أو (الدشوش) فما كان من علماء ذلك العصر إلى التسابق لتحريمها بل وصل حال بعضهم وفي خطبة الجمعة بأن يصف من يركب تلك الأطباق في بيته بالديوث! خطابات متشنجه ودعوة لله كلها غلظة. ثم جاء بعد ذلك جوال الكاميرة والذي سبب ارتباك لدى البعض خوفاً من تصوير نسائهم، وكان القرار الأسهل لدى وزارة الداخلية "درء" للمفاسد أن منعت جوال الكاميرة. بالطبع أنه غني عن القول الآن أن كثير من كبار المشائخ يتصدرون الفضائيات بل وفي قنوات اشتهر عنها نشر الفساد، ويحملون جوالات حديثة فيها كميرات.
وهذا أيضاً يعيدني لفتاوى تحريم التصوير ثم بعد ذلك يكتشفون أن التصوير الذي نقوم به الآن ليس هو المُحرّم لأنه عبارة عن حبس الظل وليس محاولة لتقليد خلق الله مثله مثل المرآة. وجولة في تويتر تجد فيها صور كبار المشائخ الذين كانوا يحرمون التصوير يوما.
بعدها جائتنا طامة بطاقات الهوية الوطنية للمرأة، حيث غضب بعض العلماء لكشف ستر محارمنا، وبالرغم أن الفتيات صورهن في بطاقات الجامعة وفي الجوازات إلا أن بطاقة الهوية الوطنية كانت بنظرهم مختلفة، ولاحقا نجدهم لا يمانعون بها، وتستمر الحياة!
قضية قيادة المرأة للسيارة هي القديمة الجديدة والتي لم تنتهي بعد وستنتهي بنفس الأحداث أعلاه، واليوم لدينا مناقشات حادة حول إضافة حصص الرياضة لمدارس البنات، ويستمر الرفض لكل ما هو جديد وخصوصاً إذا كان يخص المرأة، والسبب ما قد يجر وراءه من مصائب.
الأكيد أن أحد أكبر مشاكلنا على الإطلاق هو الخوف من ما قد يأتي وراءه، وأعتقد أنها حيلة الضعفاء، فبدلاء من تحريم الدشوش لماذا لا يُحرم التلفاز نفسه وهو ما يعرض ما يحضره الدش أو تحريم الفديو؟! ألم يكن أولى من تلك الخطابات التنفيرية أن يتم التركيز على رفع الوازع الديني لدى المتلقي بدلاً من أسلوب التحريم الذي لا يجدي؟!
جوال الكميرة وجِدَ له حل بسيط بمنعه من دخول قاعات الزواج، ألم يكن هذا الحل البسيط أفضل من منع الجوال نفسه؟!
من يحرمون قيادة المرأة لماذا لا يناقشون أهمية إعادة تأهيل النظام المروري لقيادة المرأة بدلاً من الفوضى المرورية التي نعيشها اليوم بدون قيادتهن والذي سيحدث بالتأكيد مشاكل أكبر في حال قادنَّ.
من يتحدثون عن رياضة الفتيات لماذا لا يركزون جهدهم على إصلاح التعليم ككل وإقالة وزير التربية والتعليم الذي أثبت فشله في إدارة دفة التعليم بدلاً من تشتيت الجهود في الحديث عن قضايا جانبية لا تزيدنا إلا تفرقاً وتصب في مصلحة جهة واحدة فقط لا غير.
ألم يأن الآوان يا مجتمعنا الكريم أن نستفيد من الأحداث التي مررنا بها.

الأحد، 7 أبريل 2013

شاكر علي: اليتيم الذي صنع النجاح


في مؤتمر متجاوز الذي أقيم في الخامس من شهر أبريل ٢٠١٣ في مدينة الرياح، شيكاغو، كان هناك حوالي 12 مبدعاً سعودياً حكوا قصص نجاحهم والصعاب التي واجهوها، كان الهدف الرئيسي من المؤتمر نشر ثقافة الإنجاز والتحفيز من خلال إحضار نماذج منا وفينا، طلاب مثلنا ولكنهم تجاوزوا كل شيء، وخطوا خطوات مذهلة في مسيرة الإبداع، لكن قصة شاكر علي غير! كانت بحق الأميز على الإطلاق وبشهادة زملائه المتحدثين أنفسهم.
شاكر علي خرج أمام الناس ليروي لأول مرة قصة شاكر علي وقصة سعوديون في أمريكا، تلك المنظمة الطلابية العملاقة والتي تحتفل بمرور خمس سنوات على تأسيسها، حيث تجاوز مجموع عدد متابعيها على كافة وسائل التواصل الإجتماعي الـ ١٥٠ ألف متابع وعدد زوار موقعها يتجاوز المائة ألف شهرياً.
فاجأنا شاكر علي في بداية كلمته بأنه تقدم لخطبة ٢٥ فتاة وتم رفضه، وكان السبب هو الصاعقة، فهو بإختصار لقيط، لا أب له ولا أم، ولا أخ ولا أخت.
ولد شاكر في مدينة الطائف وتحديداً في هذا الشهر، أبريل، في عام ١٩٨٧م، ونشئ في دار للأيتام، وبعد أن كبر قليلاً كفلته السيدة ناجية عبداللطيف جميل والتي كانت ميسورة الحال وأدخلت شاكر في أغلى مدارس جده، مدارس دار الفكر، والتي كانت تضم أبناء الأمراء والوزارء ورجال الأعمال. يصف هو تلك التجربة بالمريرة، فهو لم يكن ينتمي أبداً لتلك البيئة، ولم يستطيع تكوين صداقات مع تلك الطبقة المخملية، وأحس نفسه دائماً مختلفاً عنهم، بل أقل منهم.
حينما  فجرها شاكر مدويهً للمرة الأولى أمام الجميع، كان في الواقع يقدم أكبر خدمة لنفسه بأن واجهّ أخيراً أكبر همّ أثقل كاهله وأقض مضجعه وحاول مراراً وتكراراً أن يهرب من هذه الحقيقة، كان يعيش قلقًا مستمراً من سؤال قد يطرحه عليه عليه أي شخص، من أهلك؟ وما هي قبيلتك؟ وما هو عمل والدك؟ دائماً ما حاول أن يهرب من الإعلام لأنه يخاف هذا السؤال، ولم يكن يريد أن يُذكّره أحد بهذا الموضوع، ليس فقط لأنه محرج، ولكنه سيعيده لدوامة الآلم التي عاشها، فأحد أهم أسباب ذهابه للبعثة هو هروب من واقع مؤلم عاشه هناك، فقد مورس ضده كل صنوف العنصرية، كان دائما مختلفاً وانطوائي، لم يتقبله أحدٌ لشخصه، إلا صديق واحد لم ينسى شاكر أن يذكره ويشكره أمام الناس. كما لم ينسى أن يشكر أمه التي كفلته وكان لها الفضل بعد الله في وصوله لأمريكا.
في أمريكا هرب شاكر من واقعه، أو هكذا ظن، درس اللغة ولكنه لم يحصل على قبول جامعي، فأوقفت الملحقية الصرف عليه لمدة ٦ أشهر عاش فيها حياة هي أقرب للمشردين.
حينما "هرب" لأمريكا كان يبحث عن نفسه، وأعتبر أمريكا هي نقطة الصفر بالنسبة له، فهو قبلها كان تحت الصفر ولم يكن شيئاً يُذكر، أكمل شاكر علي ٨ سنوات في أمريكا لم يزر المملكة فيها قط، لأنه بإختصار ليس له أحدٌ يزوره هناك، يقول حقدت على المجتمع، كرهته، لم يعامله بإنصاف، ظلمه كثيراً ذلك المجتمع حتى أنه لم يتح له الفرصة أن يكون له أحباب يشتاق لزيارتهم!
نذر شاكر على نفسه أن يساعد الطلاب إن وفقه الله بالحصول على قبول، رغم أنه قبل ذلك لم يكن له نشاطات، فحتى في أمريكا عانى من عنصرية بعض السعوديين الذين لم يتركوا شيئاً فيه لم ينتقدوه، انتقدوه لأصله وشكله، بل حتى نظاراته لم تسلم من نقدهم! ينتقدونه ليتسلوا ولم يعلموا أن هناك قلب يحترق، هناك دموع سكبها ذلك الرجل قهراً على حاله، لا ينسى شاكر أنه مرض في أمريكا ودخل المستشفى وبقي فيها مدة لم يسأل عنه أحد، قتلته تلك الوحدة، كأنه كان يقول لو مت لم يعرف أحد عني شيئاً.
بعد أن وفقه الله بالحصول على قبول أوفى شاكر بنذره وبدأ يساعد الناس عبر المنتديات، ولكنه أحس أنها لا تكفي، لم تشبع طموحه بخدمة الناس، فكانت فكرة سعوديون في أمريكا، أسسها مع زميله في السكن مشعل العنزي عام ٢٠٠٨م، ثم بعدها انضمت لهم غادة الغنيم.
لقد علم أن هناك شح في المعلومات للطلابة الجدد، وصعوبات أكبر في الحصول على قبول، قلبه الكبير رفض أن يستمتع بفرصة رؤية أبناء مجتمعه الذي ظلمه يعانون للحصول على قبول، أو في التقديم على الفيزا، أو حتى لعيش رهبة الغربة، كان هدفه أن يهيئ الطالب حتى قبل سفره بإعطائه المعلومات الأساسية التي يحتاجها.
هل تقبّل المجتمع شاكر علي بعد ذلك؟!
لا، إلا من رحم ربي فقد عانى شاكر من صنوف الشتائم والكلمات المثبطة، تحدثوا عن شكله وشككوا في أصله، لم يشكروه على ما فعل.
مع الوقت تغيرت أمور كثيرة، وزاد الوعي وتطور العمل ودخل لمرحلة أكثر احترافية وأصبح لشاكر علي قاعدة جماهيرية، وإن كان لم يُعدم من أعداء النجاح. وشخصياً أعتقد أن من ينتقدون ويجرّحون ليسوا أكثرية في مجتمعنا، ولكنهم غوغائيون يصدرون ضجيجياً، وفي المقابل ثقافة الشكر لدينا ضعيفة، فلربما دعى لك المستفيد بظهر الغيب ولكنه لا يقولها لك ويسعدك بها، حتى يخيل للشخص أنه منبوذ حينما تصله الانتقادات فقط!

شاكر قالها بصوت عالي وأعلم أنه يعنيها حرفياً: أنتم أيها السعوديون في أمريكا عائلتي التي لم أحصل عليها يومياً، أنا لدي أكبر عائلة أفخر بها، ولعل هذا يفسر شعار سعوديون في أمريكا "بيت الطالب السعودي في الولايات المتحدة" فهو أراد أن يكون هو البيت الكبير بعد أن حُرم أن يعيش في بيت مثل الباقين. يقول أن سعادتي لا توصف حينما تصلني اسئلتكم واستفساراتكم، اعتبرها منكم أسلوب تواصل، كأنكم تسألون عني، وستفتقدونني لو لم أرد عليكم.
حينما حصل على شهادة البكالريوس بكى حتى جف دمعه، بكى لنفسه، أخيراً حصل شاكر على شهادة تساعدة بإذن الله في تخطي الصعاب القادمة، شهادته هي قيمته المادية أمام المجتمع، وهي من ستقيه بإذن الله الحاجه للناس، وهو أعلم الناس بمذلة الحاجة للناس.
لقد عرفت شاكر علي منذ أكثر من عام بعد أن تشرفت بالعمل في سعوديون في أمريكا، ولا أعرف أحداً شخصياً يعمل بإخلاص مثل هذا الرجل، ولا أعرف أحداً أنجز للمبتعثين مثلما أنجز ذلك الرجل، ولا أعرف رجل جمع كل طموح الأرض مثل شاكر علي، ولو تعلمون ما يطرح علينا من مشاريع متتالية يرغب بتنفيذها للطلبة في أمريكا لوقفتم من خلف شاشاتكم لتصفقوا له، وسترى تلك المشاريع النور بإذن الله، وهو في الأخير، وأنا شاهد على ذلك، لا يريد من أحدٍ جزاء ولا شكورا، يريد الأجر من رب العالمين، ولا يطلب أكثر من أن يكف المحبطون عن تجريحه.
ويكفي أن تعلموا فلسفة سعوديون في أمريكا أن لا منافس لها، ولكن الجميع شركاء، ولم تترد يوماً في النشر والترويج لمواقع جديدة تُعنى بالطلبة أو صفحات في الفيسبوك أو حسابات على تويتر.. مادام ذلك يصب في مصلحة الطالب فهذا الهدف والمُنى.

خرجنا بتعاطف جم بعد أن بكى شاكر على المسرح أكثر من مرة، بكى وأبكانا، كنت أخفي دموعي ولكني وبالتفاته بسيطه وجدت الجميع يبكي، وقف المسرح كاملاً يصفق له ٣ مرات خلال كلمته والرابعه حينما خرج، أعتقد أن جميع الحضور شاركوني رغبة معانقته تلك اللحظة، كانت مزيج من التعاطف والإعجاب بكسره لآخر حاجز في حياته "الماضي"، وقد قالها بسعادة لا تخفى رغم أن عيونه كانت قد امتلئت بالدموع، اليوم واجهت الماضي وتحررت من قيده، وكانت هذه آخر عقبة تغلب عليها شاكر بعد أن حصل على الشهادة التي حلم بها، حقق النجاح الذي كان يبحث عنه، وجعل لنفسه قيمة وإسم.
في ٥ أبريل ٢٠١٣ كان الميلاد الحقيقي لشاكر علي بعد أن تحرر من كل القيود التي وضعها المجتمع له.

ختم شاكر كلمته بأن قال: ليس الفتى من قال كان أبي… إن الفتى من قال ها أنا ذا. بعد أن أكمل شاكر كلمته، خرج لنا هاني، شاب من بين الحضور، احتضن شاكر وأمسك المايك وقال أمام الجميع أن مثل حالتك يتيم، وعانى مثلما عانى شاكر من قسوة المجتمع، كأنه كان يحاول أن يرمي هذا الحمل، أن يواجه الناس به تماماً كما فعل شاكر وأرتاحوا جميعاً من إخفاء حقيقة ليس لهم فيها أي ذنب. وأنتم يا من خرجتم للدنيا لا تعرفون لكم أباً ولا أم، واجهوا مجتمعكم بثقة شاكر، ولا تنتظروا كما انتظر هو. المجتمع سيحترم الواثق من نفسه، تخفّيك عن أعين الناس لن يجلب لك إلا الآلم، أخرج لهم وقل ها أنا ذا! أعلم أنها ليست سهله، ولكني أجزم أنها هي ميلادك الحقيقي حينما تتحرر من ذلك القيد الوهمي الذي وضعت نفسك به.

ما تعلمته من تجربة شاكر أن مجتمعنا بتصرفاته العنصرية لا يمت لتعاليم الإسلام بصلة وإن ادعينا ذلك، ولأن مؤتمر متجاوز فكرته نشر ثقافة الوعي والإيجابية فلعلنا نجعل من شاكر أيقونة التغيير لمن هم مثله يعانون اليوم ماعاناه شاكر، لنربي أطفالنا بأن القرآن الكريم ينص على {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
لنربيهم على تقبل الناس كما هم، لنربيهم أن العنصرية داء يجب استإصاله، لنربيهم على أن يقولوا خيراً او يصمتوا!
كيف سيتم ذلك؟
لا تستهن بنفسك، أنشر قصة شاكر علي، أخبر اصدقائك وأهلك عنها، شاكر غيّر حياة كثير من المبتعثين وساعدهم عبر سعوديون في أمريكا، والآن  لنغير نحن ثقافة المجتمع، لنتوقف عن التجريح والإساءة، لنرتقي ونسمو حتى لو اختلفنا، لننشر ثقافة التسامح التي لدى شاكر علي.
شاكر علي يدرس الآن الماجستير، وبعد كلمته أعلن الأستاذ خالد المطرفي-مدير العربية في السعودية- على منح شاكر دورة تدريبة في المقر الرئيسي للعربية في دبي بعد حصوله على الماجستير بإذن الله.
شاكر علي عمره فقط ٢٦ عاماً، وقدم كل ما يستطيع، فماذا قدمنا نحن؟
شاكر علي قالها سابقاً، سأكون يوما ما وزيراً، وسيكون بإذن الله.

دمتم بخير، وصفاء قلب شاكر علي.

* ليس كل ما ذكر أعلاه قاله شاكر علي في المؤتمر، بعض المعلومات أضفتها من معرفتي الشخصية به.

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

سمرقند




بلاد تغنى بها القاصي والداني، هي اليوم أوزبكستان، استعصت على المسلمين ولكن قصة فتحها مختلفة، وفيها من العبر ما فيها.
ففي عهد الخلفية العادل الزاهد عمر بن عبدالعزيز كان قتيبة بن مسلم الباهلي أحد أشهر الفرسان، من ذوي الحزم والدهاء والرأي، وهو من فتح خوارزم وسمرقند وبخارى بالإضافة لبلاد الترك.
أما لماذا سمرقند كانت مختلفة؛ فلإن قتيبة فتحها عام 92هـ دون أن يدعو أهلها للإسلام أو الجزية، ثم يمهلهم ثلاثة أيام كما هي عادة المسلمين، ثم يبدأ القتال، حيث باغتهم وفتحها. ولما أُسقِط بيد أهلها وسيطر المسلمون على مدينتهم، تناهى إلى علم كهنتها أن ما قام به قتيبة مخالف لتعاليم الإسلام، وكمحاولة يائسة لإستعادة بلادهم أرسلوا رسولهم إلى الخليفة عمر بن عبدالعزيز يشتكون، ولم يكونوا يعوّلون على ذلك شيئاً إلّا خشية الندم أنهم لم يطرقوا كل السبل، وإلا من العاقل الذي يتخيل أن خليفة المسلمين سيخرج جيشه منها لأي سبب كان!
وقد ذهب الرسول فعلاً ووجد ذلك الخليفة الزاهد يأخذ طيناً يسد به ثلمة في بيته، وكانت إمرأته من تناوله ذلك الطين وهو مازاد العجب. المهم أن الرجل أوصل الرسالة التي معه من كهنة سمرقند، فقرأها ثم قلبها فكتب على ظهرها "من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله في سمرقند أن انصب قاضياً ينظر فيما ذكروا" ثم ختمها وناولها للرسول.
وقد كان الرسول يحدث نفسه أن يرمي هذه الورقة لولا خشيته أن يكذبه قومه، فكيف لهذا الطريقة أن تخرج ذلك الجيش الجرار الذي سيطر على كامل المدينة. وكان الكنهة لما قرأوا الرد قد أظلمت الدنيا بوجههم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعلموا أن بصيص الأمل قد زال، لكنهم أخذوها لعامل عمر بن عبدالعزيز على بلادهم، ونصّب لهم القاضي جُمَيْع بن حاضر الباجي لينظر في شكواهم، فاجتمعوا للقاضي وطرحوا شكواهم أن قتيبة لم يدعهم للإسلام أو الجزيه ولم يمهلهم ثلاثاً، ثم سأل القاضي خليفة قتيبة، والذي كان قد توفي رحمه الله، وقال لقد كانت أرضهم خصبة وواسعة فخشي قتيبة إن أذنهم وأمهلهم أن يتحصنوا عليه. وانظر عجيب رد القاضي وما سيترتب على حكمه من أموار كثيرة "لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله وما خرجنا فاتحين للأرض أشراً وبطراً" ثم قضى القاضي بإخراج المسلمين على أن يؤذنهم القائد بعد ذلك وفقاً للمبادئ الإسلامية. نعم إخراج الجيش كاملاً حتى لا يبقى منهم أحد في المدينة، ويعاد فتح المدينة مرة أخرى طبقاً للإجراءات المتبعة، ولم يقبل عذر قائد بحجم قتيبة بن مسلم الباهلي، والذي كان لإسمه صنة ورنه، ولم يقل سأشاور في ذلك خليفة المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، ثم انظر لإذعان الجيش وأولهم قيادته لشرع الله، فما غربت شمس ذلك اليوم إلّا والمدينة خالية من جيش المسلمين تماماً. ثم بدأ الجيش الإجراءات المعتادة في الفتوحات الإسلامية فعرضوا عليهم الإسلام أو الجزية أو القتال، لكن أهل سمرقند كانوا قد سُحروا تماماً بهذا الدين العظيم الذي أنصفهم وهم ضعفاء، وحكم لهم وهم غير مسلمون، فدخل أكثرهم الإسلام وفُرضت الجزية على الباقين.
دروس لا تنتهي في هذه القصة، ولكني هنا أركز على سحر العدل وموضعه في نفوس البشر، والعدل يرفع منزلة الحاكم في نفوس أعدائه قبل شعبه، وذلك إذا كان الشرع يُطبق على الجميع وينصف كل مظلوم مسلماً كان أو كافر. ثم إن من العبر أيضاً أن لا استثناءات في النظام والقانون بحسب ظروف الزمان والمكان، فلم يقل القاضي أننا في حالة حرب ويجوز في ذلك مالا يجوز في غيرها، بل إن الإختبار الحقيق للعادلة والإنصاف هي تلك المواضع الصعبة والقرارات المصيرية.
دمتم بخير.

الأحد، 10 مارس 2013

ألم يأن الأوان للتدقيق خلف الهدر المالي لوزارة التعليم العالي؟!


أعلنت الملحقية الثقافية السعودية في الولايات المتحدة بأنها توقفت عن صرف رسوم التسجيل لحضور المؤتمرات العلمية، والذي يحق للطالب المبتعث للدراسات العليا حضور مؤتمر واحد خلال فترة دراسته. إلى وقتٍ قريب كان الطالب يحصل على تعويض تسجيل المؤتمر بالإضافة لإمر الإركاب ومكافأة شهر أساسي، وقد أحدث هذا القرار ردود فعل غاضبة من الطلاب خصوصاً إذا ما علمنا أن رسوم التسجيل في المؤتمرات تصل إلى مبالغ كبيرة تتجاوز الـ800$ لبعضها.

الملحقية عللت سبب توقفها عن التعويض أنه بناء على قرار مجلس الوزارء رقم 180 لعام 1417هـ. نعم ليس هناك خطأ مطبعي 1417هـ!

أنا هنا لا ألوم الملحقية على توقفها عن الدفع فهي ليس جهة قرار، ولكنها جهة تنفيذية، لكن ما حصل يفتح الباب لسؤال كبير وهو تحت أي بند تم تعويض الطلاب عن هذه الرسوم خلال أكثر من 17 عاماً! خلال 17 عاماً ألم يكتشف أحد من الملحقية أن صرف هذا التعويض مخالفة للنظام؟
خلال 17 عاماً ألم يكن في وزارة التعليم العالي إدارة للشؤون المالية تتابع المصروفات؟
كم المبالغ التي تم صرفها بشكل غير نظامي على كافة الأصعدة؟
الفساد ليس فقط إختلاس المال العام، ولكنه أيضاً هدر المال العام بالتفريط بالأمانة وعدم تطبيق النظام. ربما يقول قائل "وقفت على ذي؟" والواقع أنها لم ولن تقف، ولكن هذا يقودنا لفتح ملف وزارة التعليم العالي ككل، فالمبالغ التي تخصص لها تتجاوز ميزانيات دول والمغذي الأول لتلك الميزانية هو برنامج خادم الحرمين الشريفين للإبتعاث والذي دخل مرحلته الثامنة وباقي فيه 7 سنوات أخرى. هناك من طالب بإنشاء مؤسسة تتولى زمام أمور هذا المشروع العملاق لتحقيق النتائج المرجوة منه أكاديمياً، ولعلي هنا أطالب بجهة رقابية على وزارة التعليم العالي، فوفرة السيولة وتعدد قنوات الصرف على برنامج الإبتعاث تجعل المسئولية مضاعفة لحفظ المال العام. ودعوني أضرب لكم مثالاً على حجم الهدر المالي الذي يمارس يومياً وهو يقع أولا وأخيراً على عاتق وزارة التعليم العالي بما أنها الجهة المسئول عن كافة الملحقيات الثقافية في الخارج، حيث كتبت منذ حوالي العام مقالاً (للإطلاع على المقال) انتقدت فيه طريقة تعامل الملحقية الثقافية مع تسلط المعاهد على الطلبة وتصيدهم للطالب السعودي الذي يمثل لهم شيك مفتوح، فالملحقية لا ترد على الشكاوى الموجهة من الطلبة ضد المعهد، والطالب ليس أمامه إلا الرضوخ وتقبل رسوبه، والملحقية تدفع الرسوم لذلك المعهد بكل رحابة صدر! وعدد الطلبة في مرحلة اللغة في أمريكا لوحدها قارب الـ30 ألف طالب! ومن المضحك المبكي ما حصل مؤخراً حينما زار أحد المشرفين الأقليميين بعد شكاوى عديدة معهد جامعة كانساس ليوبخ الطلبة على إعطائهم لأنفسهم الحق بتقييم المعهد، قائلاً لهم "من أنتم"، بحسب ما نشرته صحيفة عكاظ.
في النهاية لو تم زيادة عدد موظفي الملحقية ليقوموا بزيارات دورية للمعاهد لعلمت تلك المعاهد أن هناك من يدقق ورائها، وليس المطلوب هنا أن ينجح الطلاب المهملون، ولكن جل ما نبحث عنه أن تتعامل تلك المعاهد مع الطلبة السعوديين بنفس المعايير التي تعامل بها غيرهم من الجنسيات الأخرى. ولو تم فعلاً ذلك فتخيل معي كم من المبالغ سيتم توفيرها شهرياً على الدولة من رسوم تلك المعاهد، فعلى سبيل المثال في معهد ELS، والذي يضم عدد كبير من الطلبة السعوديين وله حوالي 60 فرعاً في الولايات المتحدة، الرسوم الشهرية 1730$ (6500) ريال، في الواقع أن الموظفون الجدد سيحصلون على رواتبهم من المبالغ التي سيفرونها على الدولة، هذا بالإضافة لإنصاف الطالب.
أصلح الله الحال.

الأربعاء، 6 فبراير 2013

عاطفتنا تبعدنا عن الإنصاف: عبدالله فندي الشمري مثالاً!

قضية "أقدم سجين سعودي" عبدالله الشمري اثارت الرأي العام بشكل عجيب، كنت أتابع ولا أكاد أصدق هذا التعاطف اللامحدود مع القاتل، وهذه القسوة مع أهل القتيل، حتى أن نائب أمير حائل تبرع بمنزل لأهل الشمري وفاعل خير لم يذكر اسمه تبرع بمليون ريال! بينما أهل القتيل عليهم دعوات السخط!

هل انقلبت الموازين فجأة؟!
مع كثرة القصص التي تداولها الناس من خلال مواقع التواصل الإجتماعي حول حقيقة هذه القضية اختلط الحابل بالنابل، ولكن الأكيد، وحسب حديث الشيخ علي المالكي وهو متابع للقضية وحاول التدخل مراراً لكي يتنازل أهل القتيل، أن ٧٥ قاضياً صادقوا على الحكم، وأن خادم الحرمين الشريفين أمر بإعادة الحقيق في القضية وإحالتها للمحكمة العليا التي صادقت أيضاً على حكم القصاص، كما أن عبدالله الشمري تم أخذه لساحة القصاص ١٦ مرة، وبسبب الشفاعات من الأمراء والوجهاء، او لنقل "الواسطات" تم تأجيل تنفيذ الحكم!
يتسائل البعض وهل قتل الشمري بعد ٣٢ عاما على الجريمة سيعيد القتيل للحياة، والواقع أنه لم تم قتله بعد ساعة واحدة من الجريمة فإن ذلك لن يعيد القتيل للحياة، ولكن هذا شرع الله. لقد تناسى البعض في غمرة العاطفة أن القتل جريمة نكراء يهتز لها عرش الرحمن، وتناسوا أن العدل والإنصاف أولى من العواطف.
لماذا لا نسمع السؤال الأهم والمنطقي، لماذا بقي كل هذه المدة دون تنفيذ الحكم فيه؟
بأي شرع وأي دين يحرم أهل الدم من حقهم بسبب وجاهات وواسطات؟
هل نتخيل حجم مشاعر الألم في نفوس أهل القتيل وهم يرون قاتل ابنهم يُخرج به ١٦ مرة ثم يعاد دون تنازل منهم! أليست إحدى الغايات من قتل القاتل أن تهدء نفوس أهل القتيل بدلاً من تنامي شعور الغضب والرغبة بالإنتقام؟
لقد وصلت الصفاقة ببعض الناس أن دعوا بل وشتموا أهل القتيل على "قسوة" قلوبهم، تداولوا صوراً لإبنة الشمري مذيلة بأن هذه الفتاة الصغيرة ستصبح يتمية بعد ساعات، تناسوا أن الطرف الآخر "المظلوم" لديهم صور لمعاناة ودموع وقهر استمر كل هذه السنوات.
ما حدث حقيقةً في هذه القضية مخجل ومؤلم، لقد تم تعذيب أهل القتيل طوال هذه المدة وزادوا ألمهم ألم، كما تم التدخل دون وجه حق في تأجيل حكم قضائي نافذ، وحتى الشمري نفسه تم قتله أكثر من ١٦ مرة حينما يُخرج به لساحة القصاص ثم يعاد.
مجتمعنا يحتاج أن يستيقض من سباته وينظر للأمور بعقلانية تغلب على العواطف، شبه يومياً نشاهد المناشدات التي تطوف أرجاء الصحف ومواقع التواصل الإجتماعي لجمع الملايين لعتق رقبة فلان وعلان. بعاطفتنا جعلناها تجارة، بينما الأصل إما أن يتم العفو والصلح من أهل القتيل لوجه الله دون مقابل، أو أن يأخذوا الدية الشرعية، أما أن تصل هذه المبالغ لملايين، فقد تحولت لتجارة! والأنباء الآن تتواتر عن وجود سماسرة وخبراء في هذا المجال، يذهبون لأهل القتيل ويديرون لهم المفاوضات على مبلغ التنازل بمقابل يحصلون عليه، وفي المقابل أهل القاتل يتصدر منهم شخص يجمع الملايين ويحث الناس على التبرع، وله في النهاية مقابل، وكلما زاد المبلغ زادت الأرباح.
العفو والإصلاح فضيلة كبيرة عند رب العالمين، ولكن لنسأل أنفسنا بصدق وأمانة، هل هذا هو شرع الله الذي نعرف، أما هذا ما أوصلتنا له عواطفنا؟
رحم الله الرشيدي والشمري، وألهم ذويهما الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الجمعة، 18 يناير 2013

العبودية بشكلها الجديد.. الجيش الأمريكي كمثال!



عانت البشرية من العبودية لقرونٍ عديدة، وقد انتهت حقبة العبوديةِ رسمياً، وأصبحت مجرّمةٌ دولياً، ولكنها عادت بأشكالٍ مختلفة، وأصبحت أسوء حتى من العبودية التقليدية!

في مادة حقوق الإنسان كنا نتحدث عن قضايا إنتهاكات حقوق الإنسان، كان من ضمن المواضيع الهنود الحمر والسود في أمريكا، والمتاجرة بالبشر، وحروب الإبادات الجماعية، وحرب العراق. كل موضوع من هذه المواضيع ملف لا ينتهي من الإنتهاك والإجرام ضد البشرية.

كان نصيبي أن أقدم عرض حول حرب العراق، عرضت للقاعة فيلم وثائقي قصير عن إنتهاكات سجن أبوغريب الشهيرة، كانت المناظر مقززة، والتأثر بادي على جميع الحضور. لم أرغب بالتركيز على هذه القضية تحديداً، ولكني سقتها كمثال لما يجري هناك، وكانت نقطتي الرئيسية للحديث عن الجندي عموماً، والجندي الأمريكي في العراق خصوصاً. هذه الجرائم نفذها جنود، الإبادات الجماعية نفذها جنود، والقتل والتعذيب والإغتصاب نفذها جنود! من هؤلاء الجنود؟ أليسوا بشراً مثلنا؟ أليس لهم عوائل وأطفال؟ ألم يدرسوا معنا وينشؤ مثلنا؟ إذاً لماذا يفعلون ذلك بينما نحن نتقزز ونرغب بالبكاء من هذه المناظر المريعة؟!

خلصت إلى نتيجة أن الجندي يعطي لنفسه العذر بأنه يتبع الأوامر، لا يهم ما هي الأوامر وهل هي انتهاك للإنسان وضد مبادئه أم لا، المهم أنه ينفذ الأوامر للنجاة من العقاب الذي قد يلحق به وهو ما يساهم في زيادة هذه الإنتهاكات. كان لدينا طالبة سوداء في القاعة تعمل جندية في الجيش الأمريكي، وقد قالت أن تنفيذ الأوامر واجب، وبما أننا وقعنا على استمارة الإلتحاق بالجيش، فهذا يعني أننا تنازلنا عن حقنا في الرفض، ويجب أن ننفذ. قلت لها أنتي تقولين بإختصار أنك توقعين عقد عبوديتك بيدك. وهل تجدين مبرراً لنفسك أن تقتلي أو تعذبي أحداً لأنه أمر؟ قالت نعم. قلت لها إذا قال لك قائدك بأن تقتلي طفل عمره سنتان، هل تقتلينه؟ قالت دون تردد أنها ستفعل! ردها كان صاعقاً للجميع، وربما الغرابة أنها صرحت بذلك ولم تبالي بأحد، ولكنه في النهاية واقع، وهو ما يفسر ما نراه من إجرام الجيش الأمريكي في العراق وافغانستان، وفي سيء الذكر معتقل جونتنامو. أنهم يدربونهم على الطاعة العمياء، على عدم التفكير والتنفيذ فقط، هذا بالإضافة إلى رفض الحكومة الأمريكي حتى اليوم الإنضمام إلى أي جهة دولية قد تلاحق مواطنيها بتهم إنتهاكات أو جرائم حرب، وأحد أشهرها المحكمة الجنائية الدولية.

كل هذا تم في مادة حقوق الإنسان، ولا أعلم حقيقةً لماذا تدرس هذه المادة، ولكني ذكرتها أننا حينما كنا قبل أيام نتناقش ونشاهد ما كان يعانيه السود في أمريكا من انتهاكات وفصل عنصري وقتل حتى بعد إنتهاء العبودية رسمياً في أمريكا، كنتي متأثرة للغاية، وتلومين الرجل الأبيض على ما تم، ولكني أود تذكيرك أن كثير من هذه الإنتهاكات تمت على يد الشرطة الأمريكية، وكان أفراد الشرطة ينفذون الأوامر حينها، فلماذا تلومينهم ولا تلومين نفسك حينما تقررين قتل طفل ليس بينك وبينه شيء لمجرد أن القائد أمرك بذلك. اكتفت بالقول أن هذا يختلف عن ذاك. هنا تدخل جندي آخر ولكنه يبلغ من العمر 52 عاماً، قال أنه قضى عمره في الجيش وذهب للعراق وأفغانستان، وكان عبداً بكل ما تعنيه الكلمة للأوامر، وهو يعاني منذ سنوات من إضطرابات، ويعيش على المهدئات، فهو لا يستطيع النوم بدونها، ولا يستطيع حتى أن يقود سيارته أو يتحدث لنا الآن بهذا الهدوء من دونها، ويعتقد أنها ستلازمه العمر كله. قال أنه لاشك لديه البته أن من قاموا بعمليات التعذيب في سجن أبوغريب تلقوا أوامر من قيادتهم. كان لديه الكثير، ويرغب بالحديث، ولكنه فجأه توقف، وقال لا استطيع أن أكمل، فلربما أقع في مشاكل.

أخبرتهم لاحقاً أن مبدأ تنفيذ الأوامر لا يعفيك حتى من المسئولية القانونية، والآن سجناء النظام السابق في مصر كان أهم تبريراتهم تنفيذ الأوامر، ولكن هذا لم يعفهم من العقاب، وضربت لهم مثلاً بالجيش المصري الذي رفض تنفيذ الأوامر وقرر أن يكون على الحياد، وهو بذلك ساهم وبشكل مباشر في الحفاظ على أرواح مواطنيه، وفي المقابل الجيش السوري اختار العبودية ونفذ الأوامر فسفك الدماء وعاث في الأرض فساداً.

في الواقع أن العبودية لها أشكال لا تنتهي وليست مقصورة على المؤسسة العسكرية. تلفت حولك لتنظر لعبيد السلطة وعبيد المال، للمطبلين الذين يجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً ليرضى السيد غير مكترثين بأي رادع.

دمتم أحراراً.

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

في الغربة أعدت اكتشاف الإسلام!


في الغربة فرصة عظيمة لتكتشف أن هناك من يفقه في الدين غير السعوديون. أعتقد أن كثير من الطلبة السعوديون في الخارج أحسوا بنفس الشعور. أتذكر في أول صلاة عيد لي في الولايات المتحدة كان الخطيب صومالي، متخرج من الأزهر، خطب خطبةً واحدة  وليس اثنتين كما تعودت أن أصليها طوال عمري في المملكة. سلمت عليه بعد الصلاة، وباركت له بالعيد، وأردت أن أنبهه "لخطأه" بأدب، وقلت له يبدو أنك يا شيخنا مستعجل اليوم ونسيت الخطبة الثانية. تبسم وقال أنتم في السعودية تصلونها خطبتين، ولكن ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلاها بخطبة وبخطبتين. للأمانة كانت الحادثة مفصلية، كأني استيقضت من النوم لأعرف أن ما تعلمناه ومارسناه طيلة حياتنا لا يعني أنه لايوجد مذاهب أخرى، وآراء أخرى صحيحه. مازلت أرى بعض الطلبة الجدد يصفون أي اختلاف يرونه في الصلاة أو الدعاء بالبدعة، وهي ما يأتي على البال مباشرة. فمثلاً الشافعيه يضيفون في تسليمتهم من الصلاة لفظ "وبركاته" على "السلام عليكم ورحمة الله". الحقيقة أنك في الغربة في مدرسة مفتوحة تتعلم فيها طرق مختلفة لممارسة الشعائر الإسلامية، وهذا لايعني أنه ليس هناك ممارسات خاطئة فعلاً تكون بجهل، مثل من يتحدثون خلال خطبة الجمعة. الأهم في رأيي أن نستفسر من أي تصرف لا نعرفه، فلربما كان لهذا الفعل أصل نحن نجهله، وإذا لم يكن فهنا من واجبنا أن ننصح، وحتى النصيحة يجب أن تكون بأسلوب مهذب وغير مباشر، خصوصاً أني لاحظت بعض الحساسية من السعوديين، فهم لايحبون فكرة أن السعوديين هم أعلم الناس بالدين.
ولكن الأهم في الحقيقة أنك في الغربة تستشعر دور المسجد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. ذلك المسجد لم يكن فقط للصلاة، ولكن كان لإجتماع المسلمين ومناقشاتهم واحتفالاتهم، وكانت أيضاً تقام فيه الدروس. وهذا وضع المسجد هنا في الولايات المتحدة. أنه المكان الذي يجمعنا، ففي مسجدنا على سبيل المثال، في نهاية الإسبوع دروس للأطفال عن الإسلام واللغة العربية. ويوم الإربعاء درسٌ في اللغة العربية للكبار، كما كان لدينا درس إسبوعي في التجويد. عندما ترى تعطش الإخوة المسلمون من غير العرب لتعلم اللغة العربية من أجل التلذذ في قراءة القرآن وفهمه تعيد النظر ألف مرة في إيمانك. في الغربة تضع إيمانك على المحك، وفي اختبارٍ دائم حيث كل الملهيات المحرمة حولك ومتاحة. ولكن حينما يقصون عليك حلاوة الإيمان التي ذاقوها مقارنة بحياتهم قبل الإسلام تعرف نعمة الله عليك أن جعلك مسلماً، وأنه لم يفتك شيء في حياتهم، فهم جربوا كل ملاهي الدنيا، وفعلوا من الموبقات ما لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك لم يجدوا السعادة، وهربوا من تلك الحياة إلى الإسلام.  أتذكر أني سألت أحد الإخوة الأمريكان عن سبب إصراره الدائم على لبس الطاقية والملابس الفضفاضه "جلباب". فقال أعلم أنها ليست عقيدة أو جزء من الدين، وأعلم أني استطيع أن أصلي دون لبسها، ولكني ألبسها في كل مكان لكي يعرف الناس أني مسلم، أريد أن أمشي في الشارع ويعرف كل من يراني أني مسلم، مؤكداً أني لا أستطيع استيعاب مدى افتقادهم للهوية الإسلامية، وفخرهم الكبير بإنتمائهم لهذا الدين العظيم. كما أنه يتحسر على شباب المسلمين الذين يستميتون للتشبه بغير المسلمين.
حينما تتسنى لك الفرصة للدخول في نقاشات عن الإسلام لشرحه وتوضيح المفاهيم الخاطئة عنه مع غير المسلمين تحس بسعادة أنك ساهمت في الدفاع عن الإسلام وأوضحت لهم الخطأ. وإذا أسلم أحدهم على يديك، فهذا خيرٌ لك من حُمر النعم. الفكرة النمطية لدينا أن الدعوة للمشائخ، ولكن في الغربة تكتشف نفسك من جديد، تعرف أن مسئوليتك أن تقدم الإسلام بسماحته ورقي معانيه بالشكل الذي يليق بهذا الدين العظيم. وبسبب الأسئلة المتكررة التي تأتي عن الإسلام فإنك تبحث عن إجابات لها حتى ترد على من يسألك، وهذا بحد ذاته تثقيف جديد لك في دينك. فمن أكثر الأسئلة التي تأتيني عن وضع المرأة وحجابها، وتعدد الزوجات والعلاقات بين الجنسين قبل الزواج، وشرب الخمر والجهاد. وأجد أنه من واجبنا أن نلم بهذه المواضيع حتى نكون مستعدين للرد. أتذكر أن أحد جيراني، الذي توطدت علاقتي معه، سألني بعد تردد طويل عن صحة ما يسمعه في التلفزيون من أن المسلم إذا قتل غير مسلم فإنه يدخل الجنة مباشرة ويحصل على حوريتان. قلت له إذا كان هذا صحيحاً فلماذا لم أقتلك حتى الآن؟! ثم قلت له لن أجيبك بكلام إنشائي، ولكني سأحيلك للقرآن، وشرحت له معنى الآية الكريمة (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) وفي هذه الآية لم يحدد الله عز وجل الديانة، قال "نفساً".
دمتم بخير.،،،