الأحد، 10 مارس 2013

ألم يأن الأوان للتدقيق خلف الهدر المالي لوزارة التعليم العالي؟!


أعلنت الملحقية الثقافية السعودية في الولايات المتحدة بأنها توقفت عن صرف رسوم التسجيل لحضور المؤتمرات العلمية، والذي يحق للطالب المبتعث للدراسات العليا حضور مؤتمر واحد خلال فترة دراسته. إلى وقتٍ قريب كان الطالب يحصل على تعويض تسجيل المؤتمر بالإضافة لإمر الإركاب ومكافأة شهر أساسي، وقد أحدث هذا القرار ردود فعل غاضبة من الطلاب خصوصاً إذا ما علمنا أن رسوم التسجيل في المؤتمرات تصل إلى مبالغ كبيرة تتجاوز الـ800$ لبعضها.

الملحقية عللت سبب توقفها عن التعويض أنه بناء على قرار مجلس الوزارء رقم 180 لعام 1417هـ. نعم ليس هناك خطأ مطبعي 1417هـ!

أنا هنا لا ألوم الملحقية على توقفها عن الدفع فهي ليس جهة قرار، ولكنها جهة تنفيذية، لكن ما حصل يفتح الباب لسؤال كبير وهو تحت أي بند تم تعويض الطلاب عن هذه الرسوم خلال أكثر من 17 عاماً! خلال 17 عاماً ألم يكتشف أحد من الملحقية أن صرف هذا التعويض مخالفة للنظام؟
خلال 17 عاماً ألم يكن في وزارة التعليم العالي إدارة للشؤون المالية تتابع المصروفات؟
كم المبالغ التي تم صرفها بشكل غير نظامي على كافة الأصعدة؟
الفساد ليس فقط إختلاس المال العام، ولكنه أيضاً هدر المال العام بالتفريط بالأمانة وعدم تطبيق النظام. ربما يقول قائل "وقفت على ذي؟" والواقع أنها لم ولن تقف، ولكن هذا يقودنا لفتح ملف وزارة التعليم العالي ككل، فالمبالغ التي تخصص لها تتجاوز ميزانيات دول والمغذي الأول لتلك الميزانية هو برنامج خادم الحرمين الشريفين للإبتعاث والذي دخل مرحلته الثامنة وباقي فيه 7 سنوات أخرى. هناك من طالب بإنشاء مؤسسة تتولى زمام أمور هذا المشروع العملاق لتحقيق النتائج المرجوة منه أكاديمياً، ولعلي هنا أطالب بجهة رقابية على وزارة التعليم العالي، فوفرة السيولة وتعدد قنوات الصرف على برنامج الإبتعاث تجعل المسئولية مضاعفة لحفظ المال العام. ودعوني أضرب لكم مثالاً على حجم الهدر المالي الذي يمارس يومياً وهو يقع أولا وأخيراً على عاتق وزارة التعليم العالي بما أنها الجهة المسئول عن كافة الملحقيات الثقافية في الخارج، حيث كتبت منذ حوالي العام مقالاً (للإطلاع على المقال) انتقدت فيه طريقة تعامل الملحقية الثقافية مع تسلط المعاهد على الطلبة وتصيدهم للطالب السعودي الذي يمثل لهم شيك مفتوح، فالملحقية لا ترد على الشكاوى الموجهة من الطلبة ضد المعهد، والطالب ليس أمامه إلا الرضوخ وتقبل رسوبه، والملحقية تدفع الرسوم لذلك المعهد بكل رحابة صدر! وعدد الطلبة في مرحلة اللغة في أمريكا لوحدها قارب الـ30 ألف طالب! ومن المضحك المبكي ما حصل مؤخراً حينما زار أحد المشرفين الأقليميين بعد شكاوى عديدة معهد جامعة كانساس ليوبخ الطلبة على إعطائهم لأنفسهم الحق بتقييم المعهد، قائلاً لهم "من أنتم"، بحسب ما نشرته صحيفة عكاظ.
في النهاية لو تم زيادة عدد موظفي الملحقية ليقوموا بزيارات دورية للمعاهد لعلمت تلك المعاهد أن هناك من يدقق ورائها، وليس المطلوب هنا أن ينجح الطلاب المهملون، ولكن جل ما نبحث عنه أن تتعامل تلك المعاهد مع الطلبة السعوديين بنفس المعايير التي تعامل بها غيرهم من الجنسيات الأخرى. ولو تم فعلاً ذلك فتخيل معي كم من المبالغ سيتم توفيرها شهرياً على الدولة من رسوم تلك المعاهد، فعلى سبيل المثال في معهد ELS، والذي يضم عدد كبير من الطلبة السعوديين وله حوالي 60 فرعاً في الولايات المتحدة، الرسوم الشهرية 1730$ (6500) ريال، في الواقع أن الموظفون الجدد سيحصلون على رواتبهم من المبالغ التي سيفرونها على الدولة، هذا بالإضافة لإنصاف الطالب.
أصلح الله الحال.

الأربعاء، 6 فبراير 2013

عاطفتنا تبعدنا عن الإنصاف: عبدالله فندي الشمري مثالاً!

قضية "أقدم سجين سعودي" عبدالله الشمري اثارت الرأي العام بشكل عجيب، كنت أتابع ولا أكاد أصدق هذا التعاطف اللامحدود مع القاتل، وهذه القسوة مع أهل القتيل، حتى أن نائب أمير حائل تبرع بمنزل لأهل الشمري وفاعل خير لم يذكر اسمه تبرع بمليون ريال! بينما أهل القتيل عليهم دعوات السخط!

هل انقلبت الموازين فجأة؟!
مع كثرة القصص التي تداولها الناس من خلال مواقع التواصل الإجتماعي حول حقيقة هذه القضية اختلط الحابل بالنابل، ولكن الأكيد، وحسب حديث الشيخ علي المالكي وهو متابع للقضية وحاول التدخل مراراً لكي يتنازل أهل القتيل، أن ٧٥ قاضياً صادقوا على الحكم، وأن خادم الحرمين الشريفين أمر بإعادة الحقيق في القضية وإحالتها للمحكمة العليا التي صادقت أيضاً على حكم القصاص، كما أن عبدالله الشمري تم أخذه لساحة القصاص ١٦ مرة، وبسبب الشفاعات من الأمراء والوجهاء، او لنقل "الواسطات" تم تأجيل تنفيذ الحكم!
يتسائل البعض وهل قتل الشمري بعد ٣٢ عاما على الجريمة سيعيد القتيل للحياة، والواقع أنه لم تم قتله بعد ساعة واحدة من الجريمة فإن ذلك لن يعيد القتيل للحياة، ولكن هذا شرع الله. لقد تناسى البعض في غمرة العاطفة أن القتل جريمة نكراء يهتز لها عرش الرحمن، وتناسوا أن العدل والإنصاف أولى من العواطف.
لماذا لا نسمع السؤال الأهم والمنطقي، لماذا بقي كل هذه المدة دون تنفيذ الحكم فيه؟
بأي شرع وأي دين يحرم أهل الدم من حقهم بسبب وجاهات وواسطات؟
هل نتخيل حجم مشاعر الألم في نفوس أهل القتيل وهم يرون قاتل ابنهم يُخرج به ١٦ مرة ثم يعاد دون تنازل منهم! أليست إحدى الغايات من قتل القاتل أن تهدء نفوس أهل القتيل بدلاً من تنامي شعور الغضب والرغبة بالإنتقام؟
لقد وصلت الصفاقة ببعض الناس أن دعوا بل وشتموا أهل القتيل على "قسوة" قلوبهم، تداولوا صوراً لإبنة الشمري مذيلة بأن هذه الفتاة الصغيرة ستصبح يتمية بعد ساعات، تناسوا أن الطرف الآخر "المظلوم" لديهم صور لمعاناة ودموع وقهر استمر كل هذه السنوات.
ما حدث حقيقةً في هذه القضية مخجل ومؤلم، لقد تم تعذيب أهل القتيل طوال هذه المدة وزادوا ألمهم ألم، كما تم التدخل دون وجه حق في تأجيل حكم قضائي نافذ، وحتى الشمري نفسه تم قتله أكثر من ١٦ مرة حينما يُخرج به لساحة القصاص ثم يعاد.
مجتمعنا يحتاج أن يستيقض من سباته وينظر للأمور بعقلانية تغلب على العواطف، شبه يومياً نشاهد المناشدات التي تطوف أرجاء الصحف ومواقع التواصل الإجتماعي لجمع الملايين لعتق رقبة فلان وعلان. بعاطفتنا جعلناها تجارة، بينما الأصل إما أن يتم العفو والصلح من أهل القتيل لوجه الله دون مقابل، أو أن يأخذوا الدية الشرعية، أما أن تصل هذه المبالغ لملايين، فقد تحولت لتجارة! والأنباء الآن تتواتر عن وجود سماسرة وخبراء في هذا المجال، يذهبون لأهل القتيل ويديرون لهم المفاوضات على مبلغ التنازل بمقابل يحصلون عليه، وفي المقابل أهل القاتل يتصدر منهم شخص يجمع الملايين ويحث الناس على التبرع، وله في النهاية مقابل، وكلما زاد المبلغ زادت الأرباح.
العفو والإصلاح فضيلة كبيرة عند رب العالمين، ولكن لنسأل أنفسنا بصدق وأمانة، هل هذا هو شرع الله الذي نعرف، أما هذا ما أوصلتنا له عواطفنا؟
رحم الله الرشيدي والشمري، وألهم ذويهما الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الجمعة، 18 يناير 2013

العبودية بشكلها الجديد.. الجيش الأمريكي كمثال!



عانت البشرية من العبودية لقرونٍ عديدة، وقد انتهت حقبة العبوديةِ رسمياً، وأصبحت مجرّمةٌ دولياً، ولكنها عادت بأشكالٍ مختلفة، وأصبحت أسوء حتى من العبودية التقليدية!

في مادة حقوق الإنسان كنا نتحدث عن قضايا إنتهاكات حقوق الإنسان، كان من ضمن المواضيع الهنود الحمر والسود في أمريكا، والمتاجرة بالبشر، وحروب الإبادات الجماعية، وحرب العراق. كل موضوع من هذه المواضيع ملف لا ينتهي من الإنتهاك والإجرام ضد البشرية.

كان نصيبي أن أقدم عرض حول حرب العراق، عرضت للقاعة فيلم وثائقي قصير عن إنتهاكات سجن أبوغريب الشهيرة، كانت المناظر مقززة، والتأثر بادي على جميع الحضور. لم أرغب بالتركيز على هذه القضية تحديداً، ولكني سقتها كمثال لما يجري هناك، وكانت نقطتي الرئيسية للحديث عن الجندي عموماً، والجندي الأمريكي في العراق خصوصاً. هذه الجرائم نفذها جنود، الإبادات الجماعية نفذها جنود، والقتل والتعذيب والإغتصاب نفذها جنود! من هؤلاء الجنود؟ أليسوا بشراً مثلنا؟ أليس لهم عوائل وأطفال؟ ألم يدرسوا معنا وينشؤ مثلنا؟ إذاً لماذا يفعلون ذلك بينما نحن نتقزز ونرغب بالبكاء من هذه المناظر المريعة؟!

خلصت إلى نتيجة أن الجندي يعطي لنفسه العذر بأنه يتبع الأوامر، لا يهم ما هي الأوامر وهل هي انتهاك للإنسان وضد مبادئه أم لا، المهم أنه ينفذ الأوامر للنجاة من العقاب الذي قد يلحق به وهو ما يساهم في زيادة هذه الإنتهاكات. كان لدينا طالبة سوداء في القاعة تعمل جندية في الجيش الأمريكي، وقد قالت أن تنفيذ الأوامر واجب، وبما أننا وقعنا على استمارة الإلتحاق بالجيش، فهذا يعني أننا تنازلنا عن حقنا في الرفض، ويجب أن ننفذ. قلت لها أنتي تقولين بإختصار أنك توقعين عقد عبوديتك بيدك. وهل تجدين مبرراً لنفسك أن تقتلي أو تعذبي أحداً لأنه أمر؟ قالت نعم. قلت لها إذا قال لك قائدك بأن تقتلي طفل عمره سنتان، هل تقتلينه؟ قالت دون تردد أنها ستفعل! ردها كان صاعقاً للجميع، وربما الغرابة أنها صرحت بذلك ولم تبالي بأحد، ولكنه في النهاية واقع، وهو ما يفسر ما نراه من إجرام الجيش الأمريكي في العراق وافغانستان، وفي سيء الذكر معتقل جونتنامو. أنهم يدربونهم على الطاعة العمياء، على عدم التفكير والتنفيذ فقط، هذا بالإضافة إلى رفض الحكومة الأمريكي حتى اليوم الإنضمام إلى أي جهة دولية قد تلاحق مواطنيها بتهم إنتهاكات أو جرائم حرب، وأحد أشهرها المحكمة الجنائية الدولية.

كل هذا تم في مادة حقوق الإنسان، ولا أعلم حقيقةً لماذا تدرس هذه المادة، ولكني ذكرتها أننا حينما كنا قبل أيام نتناقش ونشاهد ما كان يعانيه السود في أمريكا من انتهاكات وفصل عنصري وقتل حتى بعد إنتهاء العبودية رسمياً في أمريكا، كنتي متأثرة للغاية، وتلومين الرجل الأبيض على ما تم، ولكني أود تذكيرك أن كثير من هذه الإنتهاكات تمت على يد الشرطة الأمريكية، وكان أفراد الشرطة ينفذون الأوامر حينها، فلماذا تلومينهم ولا تلومين نفسك حينما تقررين قتل طفل ليس بينك وبينه شيء لمجرد أن القائد أمرك بذلك. اكتفت بالقول أن هذا يختلف عن ذاك. هنا تدخل جندي آخر ولكنه يبلغ من العمر 52 عاماً، قال أنه قضى عمره في الجيش وذهب للعراق وأفغانستان، وكان عبداً بكل ما تعنيه الكلمة للأوامر، وهو يعاني منذ سنوات من إضطرابات، ويعيش على المهدئات، فهو لا يستطيع النوم بدونها، ولا يستطيع حتى أن يقود سيارته أو يتحدث لنا الآن بهذا الهدوء من دونها، ويعتقد أنها ستلازمه العمر كله. قال أنه لاشك لديه البته أن من قاموا بعمليات التعذيب في سجن أبوغريب تلقوا أوامر من قيادتهم. كان لديه الكثير، ويرغب بالحديث، ولكنه فجأه توقف، وقال لا استطيع أن أكمل، فلربما أقع في مشاكل.

أخبرتهم لاحقاً أن مبدأ تنفيذ الأوامر لا يعفيك حتى من المسئولية القانونية، والآن سجناء النظام السابق في مصر كان أهم تبريراتهم تنفيذ الأوامر، ولكن هذا لم يعفهم من العقاب، وضربت لهم مثلاً بالجيش المصري الذي رفض تنفيذ الأوامر وقرر أن يكون على الحياد، وهو بذلك ساهم وبشكل مباشر في الحفاظ على أرواح مواطنيه، وفي المقابل الجيش السوري اختار العبودية ونفذ الأوامر فسفك الدماء وعاث في الأرض فساداً.

في الواقع أن العبودية لها أشكال لا تنتهي وليست مقصورة على المؤسسة العسكرية. تلفت حولك لتنظر لعبيد السلطة وعبيد المال، للمطبلين الذين يجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً ليرضى السيد غير مكترثين بأي رادع.

دمتم أحراراً.

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

في الغربة أعدت اكتشاف الإسلام!


في الغربة فرصة عظيمة لتكتشف أن هناك من يفقه في الدين غير السعوديون. أعتقد أن كثير من الطلبة السعوديون في الخارج أحسوا بنفس الشعور. أتذكر في أول صلاة عيد لي في الولايات المتحدة كان الخطيب صومالي، متخرج من الأزهر، خطب خطبةً واحدة  وليس اثنتين كما تعودت أن أصليها طوال عمري في المملكة. سلمت عليه بعد الصلاة، وباركت له بالعيد، وأردت أن أنبهه "لخطأه" بأدب، وقلت له يبدو أنك يا شيخنا مستعجل اليوم ونسيت الخطبة الثانية. تبسم وقال أنتم في السعودية تصلونها خطبتين، ولكن ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلاها بخطبة وبخطبتين. للأمانة كانت الحادثة مفصلية، كأني استيقضت من النوم لأعرف أن ما تعلمناه ومارسناه طيلة حياتنا لا يعني أنه لايوجد مذاهب أخرى، وآراء أخرى صحيحه. مازلت أرى بعض الطلبة الجدد يصفون أي اختلاف يرونه في الصلاة أو الدعاء بالبدعة، وهي ما يأتي على البال مباشرة. فمثلاً الشافعيه يضيفون في تسليمتهم من الصلاة لفظ "وبركاته" على "السلام عليكم ورحمة الله". الحقيقة أنك في الغربة في مدرسة مفتوحة تتعلم فيها طرق مختلفة لممارسة الشعائر الإسلامية، وهذا لايعني أنه ليس هناك ممارسات خاطئة فعلاً تكون بجهل، مثل من يتحدثون خلال خطبة الجمعة. الأهم في رأيي أن نستفسر من أي تصرف لا نعرفه، فلربما كان لهذا الفعل أصل نحن نجهله، وإذا لم يكن فهنا من واجبنا أن ننصح، وحتى النصيحة يجب أن تكون بأسلوب مهذب وغير مباشر، خصوصاً أني لاحظت بعض الحساسية من السعوديين، فهم لايحبون فكرة أن السعوديين هم أعلم الناس بالدين.
ولكن الأهم في الحقيقة أنك في الغربة تستشعر دور المسجد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. ذلك المسجد لم يكن فقط للصلاة، ولكن كان لإجتماع المسلمين ومناقشاتهم واحتفالاتهم، وكانت أيضاً تقام فيه الدروس. وهذا وضع المسجد هنا في الولايات المتحدة. أنه المكان الذي يجمعنا، ففي مسجدنا على سبيل المثال، في نهاية الإسبوع دروس للأطفال عن الإسلام واللغة العربية. ويوم الإربعاء درسٌ في اللغة العربية للكبار، كما كان لدينا درس إسبوعي في التجويد. عندما ترى تعطش الإخوة المسلمون من غير العرب لتعلم اللغة العربية من أجل التلذذ في قراءة القرآن وفهمه تعيد النظر ألف مرة في إيمانك. في الغربة تضع إيمانك على المحك، وفي اختبارٍ دائم حيث كل الملهيات المحرمة حولك ومتاحة. ولكن حينما يقصون عليك حلاوة الإيمان التي ذاقوها مقارنة بحياتهم قبل الإسلام تعرف نعمة الله عليك أن جعلك مسلماً، وأنه لم يفتك شيء في حياتهم، فهم جربوا كل ملاهي الدنيا، وفعلوا من الموبقات ما لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك لم يجدوا السعادة، وهربوا من تلك الحياة إلى الإسلام.  أتذكر أني سألت أحد الإخوة الأمريكان عن سبب إصراره الدائم على لبس الطاقية والملابس الفضفاضه "جلباب". فقال أعلم أنها ليست عقيدة أو جزء من الدين، وأعلم أني استطيع أن أصلي دون لبسها، ولكني ألبسها في كل مكان لكي يعرف الناس أني مسلم، أريد أن أمشي في الشارع ويعرف كل من يراني أني مسلم، مؤكداً أني لا أستطيع استيعاب مدى افتقادهم للهوية الإسلامية، وفخرهم الكبير بإنتمائهم لهذا الدين العظيم. كما أنه يتحسر على شباب المسلمين الذين يستميتون للتشبه بغير المسلمين.
حينما تتسنى لك الفرصة للدخول في نقاشات عن الإسلام لشرحه وتوضيح المفاهيم الخاطئة عنه مع غير المسلمين تحس بسعادة أنك ساهمت في الدفاع عن الإسلام وأوضحت لهم الخطأ. وإذا أسلم أحدهم على يديك، فهذا خيرٌ لك من حُمر النعم. الفكرة النمطية لدينا أن الدعوة للمشائخ، ولكن في الغربة تكتشف نفسك من جديد، تعرف أن مسئوليتك أن تقدم الإسلام بسماحته ورقي معانيه بالشكل الذي يليق بهذا الدين العظيم. وبسبب الأسئلة المتكررة التي تأتي عن الإسلام فإنك تبحث عن إجابات لها حتى ترد على من يسألك، وهذا بحد ذاته تثقيف جديد لك في دينك. فمن أكثر الأسئلة التي تأتيني عن وضع المرأة وحجابها، وتعدد الزوجات والعلاقات بين الجنسين قبل الزواج، وشرب الخمر والجهاد. وأجد أنه من واجبنا أن نلم بهذه المواضيع حتى نكون مستعدين للرد. أتذكر أن أحد جيراني، الذي توطدت علاقتي معه، سألني بعد تردد طويل عن صحة ما يسمعه في التلفزيون من أن المسلم إذا قتل غير مسلم فإنه يدخل الجنة مباشرة ويحصل على حوريتان. قلت له إذا كان هذا صحيحاً فلماذا لم أقتلك حتى الآن؟! ثم قلت له لن أجيبك بكلام إنشائي، ولكني سأحيلك للقرآن، وشرحت له معنى الآية الكريمة (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) وفي هذه الآية لم يحدد الله عز وجل الديانة، قال "نفساً".
دمتم بخير.،،،

الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

الإجهاض في أمريكا.. ومليون حالة حمل للمراهقات سنوياً!



في الولايات المتحدة تعتبر قضية الإجهاض المتعمد أحد أكثر القضايا جدلية في المجتمع الأمريكي، فهناك من يعارضها لأسباب دينية وهي قتل النفس، وهناك من يؤيدها بدعوى حرية المرأة في إتخاذ قرارها والتحكم في جسدها. في عام 1973 أعلنت المحكمة العليا أن للنساء حق دستوري في الإجهاض، ثم في عام 2003 وقّع الرئيس الأمريكي جورج بوش قانون يحظر الاجهاض في المراحل الأخيرة من الحمل، حيث قال إن الحكومة "تدافع عن الأطفال الأبرياء".هذه القضية نجدها حاضرة دائماً في اللعبة الإنتخابية، فبينما يعارض الحزب الجمهوري الإجهاض، فإن الحزب الديموقراطي يدعمه. وقد أظهر استطلاع لرويترز أن الرئيس الأمريكي بارك أوباما حصل على تأييد 55% من أصوات النساء لنظرته المرنة تجاه قضايا حقوق الإجهاض وزواج المثليين. وقد بلغ عدد حالات الإجهاض منذ عام 1973 وحتى الآن أكثر من 55 مليون حالة، وهذه السنة 2012 لوحدها تجاوزت المليون حالة.
في عام 2009 كان الطبيب جورج تيلر (67عام) يهم بدخول كنيسة قبل أن يُغتال من قبل مسلح لاذ بالفرار، وهذا الطبيب كان من القلائل الذين يوافقون على اجراء اجهاض في فترات متقدمة من الحمل. وكثيرا ما كانت تنظم تظاهرات مناهضة له امام عيادته التي كان يجري فيها عمليات الاجهاض، وقد صدرت إدانة شديدة من الرئيس بارك أوباما على هذه الحادثة مؤكداً أن قضية لن تُحل بالعنف.
وفي بلد يبلغ حمل المراهقات فيه أكثر من مليون حالة سنوياً، وهي الأعلى عدداً ونسبة في العالم، يبذل المتدينون جهوداً مضنيه لتجريم الإجهاض، وهناك جمعيات كثيرة تزور المراكز الطبية التي تستقبل الحوامل الراغبات بالإجهاض وذلك لإقناعهن "بحرمة" الإجهاض، ويحالفهم الحظ أحياناً في إقناع البعض، كما أن جميع مراكز الرعاية الصحية في أمريكا تقدم الواقيات الذكرية مجاناً وذلك في محاولة للحد من حالات الحمل الغير مرغوب به.. ولكن ما يثير حيرتي فعلاً والتي طرحتها على استاذي وزملائي في المحاضرة، لماذا يركز معارضوا الإجهاض عليه، بينما لانسمع منهم معارضه أو حتى تحذير من ممارسة الجنس قبل الزواج، وهو محرم في المسيحية بالمناسبة. بإختصار هم يركزون على النتيجة، لكنهم لايحاولون معالجة الأسباب، وأهمها "الجنس قبل الزواج" والذي أدى لحمل أكثر من مليون مراهقة! لم يعلق أحد من زملائي، لكن الأستاذ قال بالتأكيد أن ما تقوله صحيح، لكن بسبب أن الجنس قبل الزواج أصبح هو الأصل في المجتمع الأمريكي، فإننا نناقش النتائج ونتجاهل الأسباب، مؤكداً أن الجميع يعلم أن المسيحية تحرم الجنس قبل الزواج، ولكن الجميع أيضاً يتجاهل هذه الحقيقة.
دمتم بخير.

الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

وفاز أبوحسين.. دروس وعبر .. شاهدتها!



اسدل الستار البارحة على فوز كبير للرئيس الأمريكي بارك أوباما على نظيرة مت رومني، ومخالفاً كل التوقعات واستطلاعات الرأي، حيث فاز أوباما بـ 303 نقطة، بينما حصد رومني 206، ويكفي المرشح أن يحصل على 270 نقطة ليضمن المقعد الرئاسي. وبلغ العدد الإجمالي للمصوتين أكثر من 117 مليون  ناخب.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، كانت الأجواء في الولايات المتأرجحة (أو المترددة) والتي لم تحسم لأحد الطرفين بعد صاخبه، والحملات الإنتخابية على أشدها وأنصار الفريقين ينتظرون لساعات في أجواء باردة ليسمعوا خطاب مرشحهم المفضل، مثل أوهايوا والتي اختارت لاحقاً أوباما. بينما الولايات المحسومة والتي كان يعلم المرشحان أنهما سيحصلان عليها فكانت أكثر هدوءً، فليس هناك ما يستدعي إضاعة الوقت والمال فيها، مثلاً كلفورنيا كانت محسومة لأوباما، وتكساس محسومة لرومني.
وبما أني أدرس مادة الآن عن الرئاسة الأمريكية فكان موضوع الإنتخابات حاضراً في كل محاضرة، وكانت القاعة منقسمة بين أوباما ورومني، لكن ما أعجبني فعلاً أن لامجاملة لدى الأمريكيين، فمناصري أوباما كانوا أول من ينتقده على سياساته الخاطأة ووعوده الرنانة التي لم يحقق الكثير منها، لم يحاولوا تلميع صورته أمام أنصار رومني، لكن في المقابل كانوا يؤمنون أن أوباما رغم "سؤه" أفضل من رومني. وفي المقابل مناصري رومني كانوا ينتقدونه على بعض تصريحاته والأخطاء التي صدرت منه مثل الفديو المسرب الذي تحدث أن هناك 47% من الشعب الأمريكي سيصوتون لأوباما في كل الأحوال، وأنهم لايهمونه.
بالرغم من هذه الأجواء الحماسية والتنافسية لم نرى أي احتكاك أو مشاكل بين الطرفين، كلٌ يعمل ويحترم الأخر.
والبارحة كنت أحضر تجمع في جامعتي نظمه قسم العلوم السياسية لمتابعة صدور النتائج والتي كانت تأتي تباعا،ً وكل بضع دقائق يعلن عن فوز أحد المرشحين بإحدى الولايات، فتتعالى أصوات المناصرين، كانوا يجلسون بجانب بعضهم البعض دون احتقانات أو تشنجات، أبهرنتي هذه الروح الجميلة. وقد توّج الروح الجميلة مباركة رومني لأوباما والتي تمنى بها التوفيق للرئيس وأثنى عليه، ثم حضر الرد الأجمل من أوباما الذي أثنى على رومني وفريق عمله. هذه القيم يتعلمها صغارهم وينشؤون عليها، وهي بكل تأكيد أحد أسرار سيادتهم للعالم.
سواء كنت تحب أو تكره أمريكا، يجب أن تكون منصفاً في وصف هذا العرس الرئاسي البهيج، الجميع يتوجه للشعب ويطلب رضاه لكي يحصل على أصواته ويصل للكرسي، ثم يعلم أن أمامه 4 سنوات وسيقول الشعب كلمته من خلال تقييمه لعملك، فالشعب هو الرقيب الأول. ثم إن الرئيس حتى لو ترشح لفترة رئاسية ثانية، فإنه حريص على تقديم ما يرضي الشعب عنه، فهو من جهة أخرى حريص على فوز المرشح القادم من حزبه في الإنتخابات.

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

حينما يقف الأستاذ الأمريكي مع الإسلام


أحد أساتذتي في الجامعة كان يعمل لبضع سنوات في المغرب، ثم تنقل بين مجموعة من الدول الافريقية الفقيرة، لديه خلفية عن الإسلام ويعلم (من خلال ما عرفه عن الإسلام) أن ما يرتكب من جرائم بإسم الإسلام لا تمت له بصلة، وأولها حادثة 11 سبتمبر. الرجل متفرغ لمدة سنة لتآليف كتاب، لذلك لم أره هذا الفصل الدراسي حتى اجتمعت به بالأمس في حفلة سنوية يقيمها رئيس قسم العلوم السياسية في منزله، تجمع الأساتذة وطلاب الدراسات العليا، وموظفي القسم، رحب بي كثيراً، وتغزل طويلاً بالتمر الذي احضرته للحفلة، وقال لي هل قرأت مقالي في الصحيفة عن زيارتي للمسجد الذي يقع في مدينة تبعد عنا حوالي 40 دقيقة؟ قلت لا، ولكن لماذا تبدأ بالبعيد وأنت لم تزر مسجدنا القريب جداً من الجامعة، قال لم تصلني دعوة، أهل ذلك المسجد قدموا لي دعوة للحضور، فلبيتها.
عدت للمنزل لأبحث عن مقاله الذي احتوى على أنه وحوالي عشرة أشخاصٍ معه زاروا ذلك المسجد بدعوة من أهله، وذلك مباشرة بعد الاحتجاجات الكبيرة على الفلم المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام، وماصاحبها من مقتل السفير الأمريكي في ليبيا. حضر الضيوف صلاة الجمعة، واستمعوا للخطبة التي تحدثت عن الفلم المسيء، وموقفنا كمسلمين منه، وماذا يمثل لنا جناب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. أعقبها حفل غداء للوفد، تبادلوا فيه النقاشات وطرحوا استفساراتهم على المسلمين، وسمعوا الإجابات منهم مباشرة. لقد خرج استاذي وأصحابه بإنطباع جميل عن الإسلام والمسلمين، وكان مقاله إضاءه لغير المسلمين بحقيقة الإسلام، حتى أنه ضمّن مقاله بشرح عن الإسلام، وهذا ما يحتاجه فعلاً الأمريكان، معرفة حقيقة الإسلام بعيداً عن التحريض الإعلامي الذي يمارس في كثير من وسائل الإعلام، ولعلي أقول أني لاحظت هذا التحريض في ولايتي الحالية (المسيسيبي) أكثر من ولايتي السابقة (منيسوتا)، ومقال من استاذ مهم في العلوم السياسية في صحيفة المدينة، وعلى أقل تقدير نضمن أن معظم أساتذة الجامعة والمثقفين سيقرأونه، وهذه هي الفئة المؤثرة، فهم من يُدرس الطلاب، وهم من يؤلف الكتب، وهم من يخرجوا في وسائل الإعلام المختلفة، وتبيان الحقيقة لهم هو أمر بالغ الأهمية، وقد رأيت في الحفلة كثير من الحضور يباركون للدكتور مقاله الجميل.
أعجبني جداً ماقام به الإخوة المسلمون في المدينة المجاورة من استغلال الفرصة ودعوة هذا الوفد من الأساتذة، والذي لقي قبول منهم وترحيب، وأول نتائجه هذا المقال المنصف. في أمريكا آلاف المساجد، ودورنا كمسلمين هو تعريف غير المسلمين بحقيقة ديننا، ليس شرطاً أن يسلم، ولكن مجرد معرفته بحقيقة الإسلام ستجعله بصف المدافعين عنه في كل المحافل التي يشارك بها. ماذا لو قمنا نحن المبتعثين بدعوة أساتذتنا لحضور خطبة الجمعة، وتعريفهم بالمجتمع المسلم الموجود، سنجد من يودون ذلك بالتأكيد ولكن لم تتح له الفرصة، خصوصاً إن علمنا أن الأمريكان بشكل عام يتلهفون للتعرف على الثقافات الأخرى، والإسلام الآن حديث الساعة، وهو موضوع مشوق جداً، فلنستغل الفرصة لدعوتهم لزيارة المساجد. حقيقةً ندمت كثيراً لأني لم أبادر بدعوة أستاذي للمسجد بشكل رسمي، رغم أني قلت له سابقاً في أكثر من مناسبة أننا نتمنى زيارتك لنا في المسجد، ولكن ربما أخذها كدعوة مجاملة لا أكثر. وقد أرسلت له إيميل أشكره على مقاله المنصف، وأقدم له دعوة رسمية بزيارتنا في صلاة الجمعة القادمة.
وهنا مقالة لمن أراد الإطلاع:
http://www.hattiesburgamerican.com/apps/pbcs.dll/article?AID=2012209220306