الثلاثاء، 2 يونيو 2015

تفجيري القديح ومسجد العنود، إخفاق إعلامي آخر!

تختلق الحكومات أحياناً حرباً من نوعٍ ما لتجمع حولها الشعب، ولتستغل الخوف في خلق اصطفاف شعبي خلفها، مثلما فعلت حكومة جورج بوش الابن، وبررت بذلك دخولها لحربين في أفغانستان والعراق، ولكن المستغرب اليوم في المملكة، وفي ظل وجود عدو واحد مشترك وظاهر، قَتَلَ السُني قبل الشيعي، ولم يكن للطائفية أي دور في هذه الاغتيالات أو التفجيرات، والهدف الواضح والصريح هو زعزعة استقرار الوطن، وخلق مشكلة طائفية، وتفريق للصف بهدف الوصول للسلطة، لكن التعاطي الإعلامي الضعيف مع هذه الأزمة لم يجعلنا نستفد من هذه الأحداث في خلق اصطفاف شعبي، ولكن تعالت دعوات من هنا وهناك لنبذ الطائفية، وكأن الخطر الذي يتهددنا داخلي وليس عدواً خارجياً مشتركاً يتمثل في تنظيم "داعش الإرهابي، وهذه للأسف هي اللغة التي تتصدر اليوم الفضائيات السعودية، الرسمية منها وغير الرسمية، بالإضافة للصحافة، بل وحتى على مستوى المثقفين في وسائل التواصل الاجتماعي، وللأسف أن قناة العربية قد طرحت وبكثافة فكرة إنشاء قانون لتجريم الطائفية بعد تفجير القديح، وفي إشارة واضحة بأن تلك التفجيرات نتيجة للطائفية، واستعرضت في أحد برامجها بعضاً مما قاله أحد المتشددين على قناة "وصال" ضد الشيعة، وهذه القناة يصل صداها لكل العالم العربي، وتحظى بمتابعة كبيرة، ونحن نُسّوق للعالم العربي أننا شعب منقسم، وأن تلك الأعمال الإرهابية هي نتيجة للطائفية وليست لإجرام "داعش" واستهدافها لبلاد الحرمين، بينما لو توجه الخطاب وبشكل مباشر إلى أن العدو خارجي ويجب الاصطفاف ضده دون الدخول في الأمور الطائفية التي ترسخ فكرة وجود الطائفية، لخلقنا الاصطفاف الشعبي المطلوب، وساهمنا حتى في علاج قضية الطائفية من خلال خلق قضية مشتركة بين كافة أطياف الشعب وتوجيه الأنظار إلى عدوٍ مشترك، ولعل من المناسب من القائمين على الإعلام والمثقفين المهتمين بمستقبل هذا الوطن التركيز على فكرة أن العدو المشترك هو "داعش" دون الإشارة لا من قريب ولا من بعيد للبعد الطائفي للموضوع، وهذا بكل تأكيد ليس إنكارا لوجود الطائفية، ولكن هذا ليس وقتها ولا مكانها.

دمتم ودام وطننا بخيرٍ وسلام.

السبت، 29 يونيو 2013

دور العمل التطوعي في تحفيز الجهات الحكومية: سعوديون في أمريكا والملحقية الثقافية كمثال!

في مملكتنا الحبيبة دور الجهات التطوعية ضعيف جداً، وأحد أهم أسباب ذلك هو صعوبة تأسيسها لوجود أنظمة معقدة للسماح بمثل تلك الجهات بالعمل، والأصعب منه هو قيام النقابات بكافة أشكالها، والمتتبع للوضع في المملكة يدرك بما لا يدع مجال للشك أن لدينا قصور واضح في الأداء الحكومي لأسباب متعددة، ولكني أود هنا أن أركز على سبب مهم ومتجاهل تماماً هو غياب الجهات التطوعية التي تقوم بمساعدة الجهة الحكومية لتقديم الخدمات، وهو ما يخفف من حجم المشكلة، ودورها أيضاً في تحفيز تلك الجهة الحكومية لإصلاح أخطائها، بل وتقديم نموذج عمل من الممكن أن تستفيد منه تلك الجهات الحكومية. هناك استثناءات قليلة حيث يتواجد العمل التطوعي جنباً إلى جنب مع العمل الحكومي مثل المؤسسات والجمعيات الخيرية ودورها في رعاية الفقراء والأرامل والأيتام وهو ما يساعد وزارة الشؤون الإجتماعية في أداء عملها.
ولكي تتضح الصورة أكثر سأسوق هنا تجربة سعوديون في أمريكا مع الملحقية الثقافية السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي بداية برنامج خادم الحرمين الشريفين للإبتعاث الخارجي عام 2005 كان هناك مشكلة حقيقية وهي أن عدد موظفي الملحقية لا يوازي الزيادة الهائلة في أعداد المبتعثين ولذلك أصبح هناك خلل واضح في أداء الملحقية، ولكثير من الطلاب تجارب مريرة مرت بهم خلال فترة دراستهم، لكن مع الوقت زادت أعداد الموظفين وتحسنت الخدمات وأنشأت أخيراً وزارة التعليم العالي نظام البوابة الإلكترونية لتنقذ الموقف المتأزم، ولكن خلال تلك الفترة وتحديداً منذ عام 2008 خرجت سعوديون في أمريكا كمنظمة طلابية تطوعية تُعنى بمساعدة المبتعثين في الولايات المتحدة كمحاولة من مؤسسيها بأن لا يمر الطلاب الجدد بنفس معاناتهم هم. وقد كانت تجربة سعوديون في أمريكا مبهرة بحق وأكملوا عامهم الخامس وهم الآن أكبر منظمة طلابية سعودية وعدد متابعيها على كافة وسائل التواصل الاجتماعية تجاوز الـ 170 ألف، وموقعهم تتجاوز زياراته الشهرية الـ 100 ألف زائر. المهم الآن ما هو تأثير سعوديون في أمريكا على الملحقية؟
أصبحت سعوديون في أمريكا جهة "شبه" رقابية على عمل الملحقية، وجهة تستطيع توجيه انتقادات "ناعمة" لعمل الملحقية على الرغم من أن كافة اعضائها طلاب، وهم "تقنياً" تحت مظلة الملحقية كطلاب، وهو ما يعطي الملحقية الفرصة لمحاولة التأثير عليهم، لكن ورغم ذلك لم يثني ذلك القائمين على هذه المنظمة من أن يبذلوا جهدهم في خدمة الطلاب وإجابة الإستفسارات التي تدور في مخيلة أي طالب جديد سيذهب للمرة الأولى للولايات المتحدة، وتجهيز موقع متكامل فيه الكثير من الخدمات ومحركات البحث، ونشر شبكة مندوبين في أغلب المدن الأمريكية من الطلاب المتطوعين لمساعدة الطلبة الجدد. هذا النجاح بحد ذاته شكل ضغط على الملحقية حيث أصبح بعض الطلاب يصرّحون بأن عمل سعوديون في أمريكا أفضل من عمل الملحقية، وإذا واجهوا مشكلة فإنهم يتوجهون لها وليس للملحقية لطلب المساعدة.
وهذا النجاح حفز الملحقية لإصلاح أخطائها ومحاولة تقديم خدمات أفضل للطلاب، والواقع يفرض علينا الإنصاف وأن نقول أن عمل الملحقية الآن تحسن بشكل كبير، وهم يحاولون أن يتواصلوا مع الطلاب الآن كما تفعل سعوديون في أمريكا، حيث وجدت الملحقية نموذج ناجح أمامها فاستنسخته حرفياً من خلال صفحة لها على الفيسبوك وتويتر، بل حتى على الانستقرام وكيك، وأصبحت الملحقية تنشر أخبار الصحف الخاصة بالمبتعثين، وبدأت في تغطية أخبار الأندية الطلابية ونشاطاتهم، والأهم أنهم بدأو أخيراً في إجابة الطلبة على استفساراتهم. لم تستطع الملحقية في البداية من القيام بذلك لوحدها حتى في وجود النموذج الناجح أمامها، فاستقطبت عضوتين من أعضاء سعوديون في أمريكا لكي يساهمن في نقل التجربة واحترافية العمل.
واليوم سعوديون في أمريكا أطلقت مشروعها الضخم عن الجامعات الأمريكية والذي يسهل على الطالب التعرف بنفسه على كل التفاصيل حول الجامعة ومتطلباتها وحالتها إن كانت مغلقة أو مفتوحة، كما يتيح له التواصل مع إدارة القبول في تلك الجامعات مباشرة، وعمل مقارنة بين أكثر من جامعة. وأنا على ثقة أن مثل هذا العمل الجبار ستستنسخة الملحقية الثقافية مستقبلاً مثل سابقاتها، وسيكون الرابح الأكبر في ذلك هو الطالب.

أتمنى أن يتم تعميم ونشر فكرة سعوديون في أمريكا على كافة القطاعات الحكومية لتحفيزها، فمن يعملون في تلك المنظمات التطوعية أشخاص يحبون عملهم ولذلك سيبدعون ولو كان ذلك من غير مقابل مادي، فهدفهم الأجر والمثوبة من رب العالمين، كما أن هذه المنظمات أيضاً تُخرّج كفاءات تستطيع تلك الجهات الرقي بعملها من خلال استقطابهم.

الخميس، 6 يونيو 2013

العلاقات السعودية الإيرانية.. لنداوها بالتي كانت هي الداء..!


من يستحضر تاريخ العلاقات السعودية الإيرانية لن يجد إلا فترات قصيرة كانت العلاقات بينهما "مقبولة"، في المجمل كانت إيران عدوة تحت مسمى "شقيقة"، لكن الأهم أن المملكة وعلى كل ما قامت به إيران لم تتخذ أي خطوة حقيقة وملموسة ضدها!
إيران لم تنسى يوماً الدعم السعودي للعراق في حربها مع العراق والتي استمرت منذ عام 1980 حتى عام 1988م، وقد أثارت ولسنوات الفوضى في موسم الحج، أنشأت خلايا في شرق المملكة سُميت حزب الله السعودي، كانت خلف تفجيرات الخبر، لأكثر من مرة يتم القبض على خلايا تجسسية إيرانية في المملكة، تم الإعتداء على القنصلية السعودية في إيران، والتورط في التخطيط لعملية اغتيال السفير السعودي في واشنطن. بالتأكيد ان هذا غيض من فيض، ولكن السؤال وبعد كل هذا، ماذا فعلنا لمجابهة هذه العدوانية الإيرانية.
اسئلة كثيرة أطرحها ولا أجد لها جواب، هل ننتظر إيران حتى تعوث بنا فساداً لكي نرد عليهم! لست اتحدث هنا عن مواجهة عسكرية، فالجميع يعلم ان ميزان القوى في صالحهم، ولكني اتحدث عن حرب من نوع آخر، حرب من جنس العمل، فمثلما تفعل بنا نفعل بهم.
إن إيران بلدٌ سهلٌ اختراقه، فهو متعدد القوميات والديانات والمذاهب، يعاني فيه العرب في إقليم الأحواز، وهو إقليم كبيرٌ غنيٌ بالنفط، من عنصرية مقيته حرّمت عليهم حتى تسمية أبنائهم بأسماء عربية! ولدينا أيضاً سُنة إيران والذين يعانون الأمريّن من هذا النظام الطائفي، ولم يسمح لهم ببناء مسجد واحد للسنة في طهران بينما تعج بمعابد اليهود وكنائس المسيحيين، ثم لدينا الشباب الإيراني الغاضب من سياسات حكومته حيث يعيشون فقراً لا يليق بدولة نفطية كبرى مثل إيران، ويتطلعون لمزيد من الحريات حيث تخنقهم ديكتاتورية النظام وإن تلبّسَ بالديموقراطية، كما أن لدينا المهاجرون الإيرانييون وهم بالملايين، ويشتهر عنهم الثراء، فهل هناك أسهل من إختراق مثل هذا البلد وخلق الإضطرابات فيه؟
من جهة أخرى، فكرة أن الغرب عدوٌ لإيران لم تعد منطقية! ما فعلته الولايات المتحدة في دول أمريكا الجنوبية ومناطق كثيرة حول العالم من دعم لإنقلابات عسكرية وتهييج للشارع يؤكد أنها ليست بعاجزة عن فعل ذلك في إيران "لو أرادت" وإيران أسهل من غيرها. في تفجيرات الخبر عام 1996 ثبت لدى الحكومة الأمريكية أن إيران لها يد في تلك التفجيرات، وفقاً لمذكرات رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق "لويس فريد" والتي ذهب ضحيتها 19 جندي أمريكي، ومع ذلك لم تفعل أمريكا شيئاً تجاه ذلك، ولويس فريد في مذكراته يعبر عن غضبه من برود حكومته تجاه ذلك.
أخطاء الماضي من أسباب قوة إيران الحالية، وابتعادنا عن العراق جعلها تحت الإحتلال الإيراني، وهنا نعود لنفس السؤال، هل الولايات عدوة لإيران وهي تسلمها العراق وتسحب قواتها منها وتدعم حكومة موالية تماماً لإيران!
تحاول إيران وبشكل صريح أن تُشيّع من تستطيع لكي تنشئ أُمة شيعية تكون هي قائدتها، لقد كانت ومازالت تبذل وتنفق في مشارق الأرض ومغاربها لنشر المذهب الشيعي، حتى رأينا الأفارقة في أدغال أفريقيا يلطمون في الحسينيات، ولكن المهم ماذا قامت المملكة في المقابل، للأسف أننا تركنا لهم الساحة بعد أن كنا نتسيدها، بل أصبحنا نحاصر العمل الخيري في الخارج ونمنعه.
استحضر الماضي لكي أقول فضلاً لننقذ ما يمكن إنقاذه، ولنتجاهل الغرب في هذه القضية فهم لن ينفعوننا بشيء، لقد تكالبت علينا المصائب من كل جانب، ولو سقطت سوريا بقبضة إيران فهي الطامة الكبرى، وسيكتمل الهلال الشيعي ونحن ننظر ونشجب!
لندعم الأحوازيين وسنة إيران بل وشيعتهم، وكل من لديه نقمة على حكومته. لننشر القنوات الفضائية بالفارسية والعربية لنشر أباطيل معمميهم، ونقدم لهم الإسلام الصحيح، لنوصل بث هذه القنوات لإيران والعراق والخليج وبلاد الشام وبذلك نُبطل أهم أسلحتهم وهي العقيدة. وأخيراً لندعم الثورة السورية فإنها إن نجحت- بفضل الله- ثم بنا كسبنا على كافة المستويات وأهمها على المستوى الداخلي السعودي الذي سيكون ممنون جداً لقيادته على ذلك، وسيضعف ذلك إيران وحزبها، وستعود موازين القوى للتوازن ولو قليلاً.
هذه أُمنيات محب ومشفق على وطنه علّها تصل..!


السبت، 11 مايو 2013

تتقلب الفتاوى وتستمر الحياة!


* فضلاً قراءة المقال دون تشنجات أو أحكام مسبقة.

تجري الأيام بسرعة، ولا يسابقها هذه السرعة إلا الفتاوى وتقلبها. حينما تتأمل فتاوى التحريم التي لم تستند على أدلة واضحة، وكان أساسها ما "قد" تجر إليه من مفسدة لأدركت مباشرة سبب سقوط تلك الفتاوى بأيدي من أفتوا بها تحديداً.
إذا أردت أن تستعرض تلك التقلبات فيجب أن تعود إلى بداية قيام المملكة العربية السعودية حينما عارض بعض المشائخ السيارات لإعتبارات متعددة، كما عارضوا الراديو والدراجة وبالطبع التلفاز، ثم كان تعليم الفتيات لينتفض المجمتع "غيرة" على محارمهم من الدراسة في مدارس مفصولة. من أفتوا بتحريم تلك الأمور كانوا شيوخ لهم أسم ومكانه في ذلك الزمان. بالتأكيد سقطت كل تلك الفتاوى التي لم تكن تعتمد على قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما اجتهاد من أناس لم يكن لديهم الإدراك الكافي، ولكن كانوا يملكون من الجرأة أن يحرموا ما أحل الله. وغني عن القول أن كل الشعب بما فيهم المشائخ الذين حرموا استفادوا من كل أو بعض ما كان محرماً أعلاه.
القصة هنا لم تنتهي، والزمان يعيد نفسه مراراً وتكراراً بشكل غريب وكأن لا أحد يتعلم من الماضي. بدأت القنوات الفضائية وانتشرت الأطباق اللاقطة أو (الدشوش) فما كان من علماء ذلك العصر إلى التسابق لتحريمها بل وصل حال بعضهم وفي خطبة الجمعة بأن يصف من يركب تلك الأطباق في بيته بالديوث! خطابات متشنجه ودعوة لله كلها غلظة. ثم جاء بعد ذلك جوال الكاميرة والذي سبب ارتباك لدى البعض خوفاً من تصوير نسائهم، وكان القرار الأسهل لدى وزارة الداخلية "درء" للمفاسد أن منعت جوال الكاميرة. بالطبع أنه غني عن القول الآن أن كثير من كبار المشائخ يتصدرون الفضائيات بل وفي قنوات اشتهر عنها نشر الفساد، ويحملون جوالات حديثة فيها كميرات.
وهذا أيضاً يعيدني لفتاوى تحريم التصوير ثم بعد ذلك يكتشفون أن التصوير الذي نقوم به الآن ليس هو المُحرّم لأنه عبارة عن حبس الظل وليس محاولة لتقليد خلق الله مثله مثل المرآة. وجولة في تويتر تجد فيها صور كبار المشائخ الذين كانوا يحرمون التصوير يوما.
بعدها جائتنا طامة بطاقات الهوية الوطنية للمرأة، حيث غضب بعض العلماء لكشف ستر محارمنا، وبالرغم أن الفتيات صورهن في بطاقات الجامعة وفي الجوازات إلا أن بطاقة الهوية الوطنية كانت بنظرهم مختلفة، ولاحقا نجدهم لا يمانعون بها، وتستمر الحياة!
قضية قيادة المرأة للسيارة هي القديمة الجديدة والتي لم تنتهي بعد وستنتهي بنفس الأحداث أعلاه، واليوم لدينا مناقشات حادة حول إضافة حصص الرياضة لمدارس البنات، ويستمر الرفض لكل ما هو جديد وخصوصاً إذا كان يخص المرأة، والسبب ما قد يجر وراءه من مصائب.
الأكيد أن أحد أكبر مشاكلنا على الإطلاق هو الخوف من ما قد يأتي وراءه، وأعتقد أنها حيلة الضعفاء، فبدلاء من تحريم الدشوش لماذا لا يُحرم التلفاز نفسه وهو ما يعرض ما يحضره الدش أو تحريم الفديو؟! ألم يكن أولى من تلك الخطابات التنفيرية أن يتم التركيز على رفع الوازع الديني لدى المتلقي بدلاً من أسلوب التحريم الذي لا يجدي؟!
جوال الكميرة وجِدَ له حل بسيط بمنعه من دخول قاعات الزواج، ألم يكن هذا الحل البسيط أفضل من منع الجوال نفسه؟!
من يحرمون قيادة المرأة لماذا لا يناقشون أهمية إعادة تأهيل النظام المروري لقيادة المرأة بدلاً من الفوضى المرورية التي نعيشها اليوم بدون قيادتهن والذي سيحدث بالتأكيد مشاكل أكبر في حال قادنَّ.
من يتحدثون عن رياضة الفتيات لماذا لا يركزون جهدهم على إصلاح التعليم ككل وإقالة وزير التربية والتعليم الذي أثبت فشله في إدارة دفة التعليم بدلاً من تشتيت الجهود في الحديث عن قضايا جانبية لا تزيدنا إلا تفرقاً وتصب في مصلحة جهة واحدة فقط لا غير.
ألم يأن الآوان يا مجتمعنا الكريم أن نستفيد من الأحداث التي مررنا بها.

الأحد، 7 أبريل 2013

شاكر علي: اليتيم الذي صنع النجاح


في مؤتمر متجاوز الذي أقيم في الخامس من شهر أبريل ٢٠١٣ في مدينة الرياح، شيكاغو، كان هناك حوالي 12 مبدعاً سعودياً حكوا قصص نجاحهم والصعاب التي واجهوها، كان الهدف الرئيسي من المؤتمر نشر ثقافة الإنجاز والتحفيز من خلال إحضار نماذج منا وفينا، طلاب مثلنا ولكنهم تجاوزوا كل شيء، وخطوا خطوات مذهلة في مسيرة الإبداع، لكن قصة شاكر علي غير! كانت بحق الأميز على الإطلاق وبشهادة زملائه المتحدثين أنفسهم.
شاكر علي خرج أمام الناس ليروي لأول مرة قصة شاكر علي وقصة سعوديون في أمريكا، تلك المنظمة الطلابية العملاقة والتي تحتفل بمرور خمس سنوات على تأسيسها، حيث تجاوز مجموع عدد متابعيها على كافة وسائل التواصل الإجتماعي الـ ١٥٠ ألف متابع وعدد زوار موقعها يتجاوز المائة ألف شهرياً.
فاجأنا شاكر علي في بداية كلمته بأنه تقدم لخطبة ٢٥ فتاة وتم رفضه، وكان السبب هو الصاعقة، فهو بإختصار لقيط، لا أب له ولا أم، ولا أخ ولا أخت.
ولد شاكر في مدينة الطائف وتحديداً في هذا الشهر، أبريل، في عام ١٩٨٧م، ونشئ في دار للأيتام، وبعد أن كبر قليلاً كفلته السيدة ناجية عبداللطيف جميل والتي كانت ميسورة الحال وأدخلت شاكر في أغلى مدارس جده، مدارس دار الفكر، والتي كانت تضم أبناء الأمراء والوزارء ورجال الأعمال. يصف هو تلك التجربة بالمريرة، فهو لم يكن ينتمي أبداً لتلك البيئة، ولم يستطيع تكوين صداقات مع تلك الطبقة المخملية، وأحس نفسه دائماً مختلفاً عنهم، بل أقل منهم.
حينما  فجرها شاكر مدويهً للمرة الأولى أمام الجميع، كان في الواقع يقدم أكبر خدمة لنفسه بأن واجهّ أخيراً أكبر همّ أثقل كاهله وأقض مضجعه وحاول مراراً وتكراراً أن يهرب من هذه الحقيقة، كان يعيش قلقًا مستمراً من سؤال قد يطرحه عليه عليه أي شخص، من أهلك؟ وما هي قبيلتك؟ وما هو عمل والدك؟ دائماً ما حاول أن يهرب من الإعلام لأنه يخاف هذا السؤال، ولم يكن يريد أن يُذكّره أحد بهذا الموضوع، ليس فقط لأنه محرج، ولكنه سيعيده لدوامة الآلم التي عاشها، فأحد أهم أسباب ذهابه للبعثة هو هروب من واقع مؤلم عاشه هناك، فقد مورس ضده كل صنوف العنصرية، كان دائما مختلفاً وانطوائي، لم يتقبله أحدٌ لشخصه، إلا صديق واحد لم ينسى شاكر أن يذكره ويشكره أمام الناس. كما لم ينسى أن يشكر أمه التي كفلته وكان لها الفضل بعد الله في وصوله لأمريكا.
في أمريكا هرب شاكر من واقعه، أو هكذا ظن، درس اللغة ولكنه لم يحصل على قبول جامعي، فأوقفت الملحقية الصرف عليه لمدة ٦ أشهر عاش فيها حياة هي أقرب للمشردين.
حينما "هرب" لأمريكا كان يبحث عن نفسه، وأعتبر أمريكا هي نقطة الصفر بالنسبة له، فهو قبلها كان تحت الصفر ولم يكن شيئاً يُذكر، أكمل شاكر علي ٨ سنوات في أمريكا لم يزر المملكة فيها قط، لأنه بإختصار ليس له أحدٌ يزوره هناك، يقول حقدت على المجتمع، كرهته، لم يعامله بإنصاف، ظلمه كثيراً ذلك المجتمع حتى أنه لم يتح له الفرصة أن يكون له أحباب يشتاق لزيارتهم!
نذر شاكر على نفسه أن يساعد الطلاب إن وفقه الله بالحصول على قبول، رغم أنه قبل ذلك لم يكن له نشاطات، فحتى في أمريكا عانى من عنصرية بعض السعوديين الذين لم يتركوا شيئاً فيه لم ينتقدوه، انتقدوه لأصله وشكله، بل حتى نظاراته لم تسلم من نقدهم! ينتقدونه ليتسلوا ولم يعلموا أن هناك قلب يحترق، هناك دموع سكبها ذلك الرجل قهراً على حاله، لا ينسى شاكر أنه مرض في أمريكا ودخل المستشفى وبقي فيها مدة لم يسأل عنه أحد، قتلته تلك الوحدة، كأنه كان يقول لو مت لم يعرف أحد عني شيئاً.
بعد أن وفقه الله بالحصول على قبول أوفى شاكر بنذره وبدأ يساعد الناس عبر المنتديات، ولكنه أحس أنها لا تكفي، لم تشبع طموحه بخدمة الناس، فكانت فكرة سعوديون في أمريكا، أسسها مع زميله في السكن مشعل العنزي عام ٢٠٠٨م، ثم بعدها انضمت لهم غادة الغنيم.
لقد علم أن هناك شح في المعلومات للطلابة الجدد، وصعوبات أكبر في الحصول على قبول، قلبه الكبير رفض أن يستمتع بفرصة رؤية أبناء مجتمعه الذي ظلمه يعانون للحصول على قبول، أو في التقديم على الفيزا، أو حتى لعيش رهبة الغربة، كان هدفه أن يهيئ الطالب حتى قبل سفره بإعطائه المعلومات الأساسية التي يحتاجها.
هل تقبّل المجتمع شاكر علي بعد ذلك؟!
لا، إلا من رحم ربي فقد عانى شاكر من صنوف الشتائم والكلمات المثبطة، تحدثوا عن شكله وشككوا في أصله، لم يشكروه على ما فعل.
مع الوقت تغيرت أمور كثيرة، وزاد الوعي وتطور العمل ودخل لمرحلة أكثر احترافية وأصبح لشاكر علي قاعدة جماهيرية، وإن كان لم يُعدم من أعداء النجاح. وشخصياً أعتقد أن من ينتقدون ويجرّحون ليسوا أكثرية في مجتمعنا، ولكنهم غوغائيون يصدرون ضجيجياً، وفي المقابل ثقافة الشكر لدينا ضعيفة، فلربما دعى لك المستفيد بظهر الغيب ولكنه لا يقولها لك ويسعدك بها، حتى يخيل للشخص أنه منبوذ حينما تصله الانتقادات فقط!

شاكر قالها بصوت عالي وأعلم أنه يعنيها حرفياً: أنتم أيها السعوديون في أمريكا عائلتي التي لم أحصل عليها يومياً، أنا لدي أكبر عائلة أفخر بها، ولعل هذا يفسر شعار سعوديون في أمريكا "بيت الطالب السعودي في الولايات المتحدة" فهو أراد أن يكون هو البيت الكبير بعد أن حُرم أن يعيش في بيت مثل الباقين. يقول أن سعادتي لا توصف حينما تصلني اسئلتكم واستفساراتكم، اعتبرها منكم أسلوب تواصل، كأنكم تسألون عني، وستفتقدونني لو لم أرد عليكم.
حينما حصل على شهادة البكالريوس بكى حتى جف دمعه، بكى لنفسه، أخيراً حصل شاكر على شهادة تساعدة بإذن الله في تخطي الصعاب القادمة، شهادته هي قيمته المادية أمام المجتمع، وهي من ستقيه بإذن الله الحاجه للناس، وهو أعلم الناس بمذلة الحاجة للناس.
لقد عرفت شاكر علي منذ أكثر من عام بعد أن تشرفت بالعمل في سعوديون في أمريكا، ولا أعرف أحداً شخصياً يعمل بإخلاص مثل هذا الرجل، ولا أعرف أحداً أنجز للمبتعثين مثلما أنجز ذلك الرجل، ولا أعرف رجل جمع كل طموح الأرض مثل شاكر علي، ولو تعلمون ما يطرح علينا من مشاريع متتالية يرغب بتنفيذها للطلبة في أمريكا لوقفتم من خلف شاشاتكم لتصفقوا له، وسترى تلك المشاريع النور بإذن الله، وهو في الأخير، وأنا شاهد على ذلك، لا يريد من أحدٍ جزاء ولا شكورا، يريد الأجر من رب العالمين، ولا يطلب أكثر من أن يكف المحبطون عن تجريحه.
ويكفي أن تعلموا فلسفة سعوديون في أمريكا أن لا منافس لها، ولكن الجميع شركاء، ولم تترد يوماً في النشر والترويج لمواقع جديدة تُعنى بالطلبة أو صفحات في الفيسبوك أو حسابات على تويتر.. مادام ذلك يصب في مصلحة الطالب فهذا الهدف والمُنى.

خرجنا بتعاطف جم بعد أن بكى شاكر على المسرح أكثر من مرة، بكى وأبكانا، كنت أخفي دموعي ولكني وبالتفاته بسيطه وجدت الجميع يبكي، وقف المسرح كاملاً يصفق له ٣ مرات خلال كلمته والرابعه حينما خرج، أعتقد أن جميع الحضور شاركوني رغبة معانقته تلك اللحظة، كانت مزيج من التعاطف والإعجاب بكسره لآخر حاجز في حياته "الماضي"، وقد قالها بسعادة لا تخفى رغم أن عيونه كانت قد امتلئت بالدموع، اليوم واجهت الماضي وتحررت من قيده، وكانت هذه آخر عقبة تغلب عليها شاكر بعد أن حصل على الشهادة التي حلم بها، حقق النجاح الذي كان يبحث عنه، وجعل لنفسه قيمة وإسم.
في ٥ أبريل ٢٠١٣ كان الميلاد الحقيقي لشاكر علي بعد أن تحرر من كل القيود التي وضعها المجتمع له.

ختم شاكر كلمته بأن قال: ليس الفتى من قال كان أبي… إن الفتى من قال ها أنا ذا. بعد أن أكمل شاكر كلمته، خرج لنا هاني، شاب من بين الحضور، احتضن شاكر وأمسك المايك وقال أمام الجميع أن مثل حالتك يتيم، وعانى مثلما عانى شاكر من قسوة المجتمع، كأنه كان يحاول أن يرمي هذا الحمل، أن يواجه الناس به تماماً كما فعل شاكر وأرتاحوا جميعاً من إخفاء حقيقة ليس لهم فيها أي ذنب. وأنتم يا من خرجتم للدنيا لا تعرفون لكم أباً ولا أم، واجهوا مجتمعكم بثقة شاكر، ولا تنتظروا كما انتظر هو. المجتمع سيحترم الواثق من نفسه، تخفّيك عن أعين الناس لن يجلب لك إلا الآلم، أخرج لهم وقل ها أنا ذا! أعلم أنها ليست سهله، ولكني أجزم أنها هي ميلادك الحقيقي حينما تتحرر من ذلك القيد الوهمي الذي وضعت نفسك به.

ما تعلمته من تجربة شاكر أن مجتمعنا بتصرفاته العنصرية لا يمت لتعاليم الإسلام بصلة وإن ادعينا ذلك، ولأن مؤتمر متجاوز فكرته نشر ثقافة الوعي والإيجابية فلعلنا نجعل من شاكر أيقونة التغيير لمن هم مثله يعانون اليوم ماعاناه شاكر، لنربي أطفالنا بأن القرآن الكريم ينص على {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
لنربيهم على تقبل الناس كما هم، لنربيهم أن العنصرية داء يجب استإصاله، لنربيهم على أن يقولوا خيراً او يصمتوا!
كيف سيتم ذلك؟
لا تستهن بنفسك، أنشر قصة شاكر علي، أخبر اصدقائك وأهلك عنها، شاكر غيّر حياة كثير من المبتعثين وساعدهم عبر سعوديون في أمريكا، والآن  لنغير نحن ثقافة المجتمع، لنتوقف عن التجريح والإساءة، لنرتقي ونسمو حتى لو اختلفنا، لننشر ثقافة التسامح التي لدى شاكر علي.
شاكر علي يدرس الآن الماجستير، وبعد كلمته أعلن الأستاذ خالد المطرفي-مدير العربية في السعودية- على منح شاكر دورة تدريبة في المقر الرئيسي للعربية في دبي بعد حصوله على الماجستير بإذن الله.
شاكر علي عمره فقط ٢٦ عاماً، وقدم كل ما يستطيع، فماذا قدمنا نحن؟
شاكر علي قالها سابقاً، سأكون يوما ما وزيراً، وسيكون بإذن الله.

دمتم بخير، وصفاء قلب شاكر علي.

* ليس كل ما ذكر أعلاه قاله شاكر علي في المؤتمر، بعض المعلومات أضفتها من معرفتي الشخصية به.

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

سمرقند




بلاد تغنى بها القاصي والداني، هي اليوم أوزبكستان، استعصت على المسلمين ولكن قصة فتحها مختلفة، وفيها من العبر ما فيها.
ففي عهد الخلفية العادل الزاهد عمر بن عبدالعزيز كان قتيبة بن مسلم الباهلي أحد أشهر الفرسان، من ذوي الحزم والدهاء والرأي، وهو من فتح خوارزم وسمرقند وبخارى بالإضافة لبلاد الترك.
أما لماذا سمرقند كانت مختلفة؛ فلإن قتيبة فتحها عام 92هـ دون أن يدعو أهلها للإسلام أو الجزية، ثم يمهلهم ثلاثة أيام كما هي عادة المسلمين، ثم يبدأ القتال، حيث باغتهم وفتحها. ولما أُسقِط بيد أهلها وسيطر المسلمون على مدينتهم، تناهى إلى علم كهنتها أن ما قام به قتيبة مخالف لتعاليم الإسلام، وكمحاولة يائسة لإستعادة بلادهم أرسلوا رسولهم إلى الخليفة عمر بن عبدالعزيز يشتكون، ولم يكونوا يعوّلون على ذلك شيئاً إلّا خشية الندم أنهم لم يطرقوا كل السبل، وإلا من العاقل الذي يتخيل أن خليفة المسلمين سيخرج جيشه منها لأي سبب كان!
وقد ذهب الرسول فعلاً ووجد ذلك الخليفة الزاهد يأخذ طيناً يسد به ثلمة في بيته، وكانت إمرأته من تناوله ذلك الطين وهو مازاد العجب. المهم أن الرجل أوصل الرسالة التي معه من كهنة سمرقند، فقرأها ثم قلبها فكتب على ظهرها "من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله في سمرقند أن انصب قاضياً ينظر فيما ذكروا" ثم ختمها وناولها للرسول.
وقد كان الرسول يحدث نفسه أن يرمي هذه الورقة لولا خشيته أن يكذبه قومه، فكيف لهذا الطريقة أن تخرج ذلك الجيش الجرار الذي سيطر على كامل المدينة. وكان الكنهة لما قرأوا الرد قد أظلمت الدنيا بوجههم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعلموا أن بصيص الأمل قد زال، لكنهم أخذوها لعامل عمر بن عبدالعزيز على بلادهم، ونصّب لهم القاضي جُمَيْع بن حاضر الباجي لينظر في شكواهم، فاجتمعوا للقاضي وطرحوا شكواهم أن قتيبة لم يدعهم للإسلام أو الجزيه ولم يمهلهم ثلاثاً، ثم سأل القاضي خليفة قتيبة، والذي كان قد توفي رحمه الله، وقال لقد كانت أرضهم خصبة وواسعة فخشي قتيبة إن أذنهم وأمهلهم أن يتحصنوا عليه. وانظر عجيب رد القاضي وما سيترتب على حكمه من أموار كثيرة "لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله وما خرجنا فاتحين للأرض أشراً وبطراً" ثم قضى القاضي بإخراج المسلمين على أن يؤذنهم القائد بعد ذلك وفقاً للمبادئ الإسلامية. نعم إخراج الجيش كاملاً حتى لا يبقى منهم أحد في المدينة، ويعاد فتح المدينة مرة أخرى طبقاً للإجراءات المتبعة، ولم يقبل عذر قائد بحجم قتيبة بن مسلم الباهلي، والذي كان لإسمه صنة ورنه، ولم يقل سأشاور في ذلك خليفة المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، ثم انظر لإذعان الجيش وأولهم قيادته لشرع الله، فما غربت شمس ذلك اليوم إلّا والمدينة خالية من جيش المسلمين تماماً. ثم بدأ الجيش الإجراءات المعتادة في الفتوحات الإسلامية فعرضوا عليهم الإسلام أو الجزية أو القتال، لكن أهل سمرقند كانوا قد سُحروا تماماً بهذا الدين العظيم الذي أنصفهم وهم ضعفاء، وحكم لهم وهم غير مسلمون، فدخل أكثرهم الإسلام وفُرضت الجزية على الباقين.
دروس لا تنتهي في هذه القصة، ولكني هنا أركز على سحر العدل وموضعه في نفوس البشر، والعدل يرفع منزلة الحاكم في نفوس أعدائه قبل شعبه، وذلك إذا كان الشرع يُطبق على الجميع وينصف كل مظلوم مسلماً كان أو كافر. ثم إن من العبر أيضاً أن لا استثناءات في النظام والقانون بحسب ظروف الزمان والمكان، فلم يقل القاضي أننا في حالة حرب ويجوز في ذلك مالا يجوز في غيرها، بل إن الإختبار الحقيق للعادلة والإنصاف هي تلك المواضع الصعبة والقرارات المصيرية.
دمتم بخير.

الأحد، 10 مارس 2013

ألم يأن الأوان للتدقيق خلف الهدر المالي لوزارة التعليم العالي؟!


أعلنت الملحقية الثقافية السعودية في الولايات المتحدة بأنها توقفت عن صرف رسوم التسجيل لحضور المؤتمرات العلمية، والذي يحق للطالب المبتعث للدراسات العليا حضور مؤتمر واحد خلال فترة دراسته. إلى وقتٍ قريب كان الطالب يحصل على تعويض تسجيل المؤتمر بالإضافة لإمر الإركاب ومكافأة شهر أساسي، وقد أحدث هذا القرار ردود فعل غاضبة من الطلاب خصوصاً إذا ما علمنا أن رسوم التسجيل في المؤتمرات تصل إلى مبالغ كبيرة تتجاوز الـ800$ لبعضها.

الملحقية عللت سبب توقفها عن التعويض أنه بناء على قرار مجلس الوزارء رقم 180 لعام 1417هـ. نعم ليس هناك خطأ مطبعي 1417هـ!

أنا هنا لا ألوم الملحقية على توقفها عن الدفع فهي ليس جهة قرار، ولكنها جهة تنفيذية، لكن ما حصل يفتح الباب لسؤال كبير وهو تحت أي بند تم تعويض الطلاب عن هذه الرسوم خلال أكثر من 17 عاماً! خلال 17 عاماً ألم يكتشف أحد من الملحقية أن صرف هذا التعويض مخالفة للنظام؟
خلال 17 عاماً ألم يكن في وزارة التعليم العالي إدارة للشؤون المالية تتابع المصروفات؟
كم المبالغ التي تم صرفها بشكل غير نظامي على كافة الأصعدة؟
الفساد ليس فقط إختلاس المال العام، ولكنه أيضاً هدر المال العام بالتفريط بالأمانة وعدم تطبيق النظام. ربما يقول قائل "وقفت على ذي؟" والواقع أنها لم ولن تقف، ولكن هذا يقودنا لفتح ملف وزارة التعليم العالي ككل، فالمبالغ التي تخصص لها تتجاوز ميزانيات دول والمغذي الأول لتلك الميزانية هو برنامج خادم الحرمين الشريفين للإبتعاث والذي دخل مرحلته الثامنة وباقي فيه 7 سنوات أخرى. هناك من طالب بإنشاء مؤسسة تتولى زمام أمور هذا المشروع العملاق لتحقيق النتائج المرجوة منه أكاديمياً، ولعلي هنا أطالب بجهة رقابية على وزارة التعليم العالي، فوفرة السيولة وتعدد قنوات الصرف على برنامج الإبتعاث تجعل المسئولية مضاعفة لحفظ المال العام. ودعوني أضرب لكم مثالاً على حجم الهدر المالي الذي يمارس يومياً وهو يقع أولا وأخيراً على عاتق وزارة التعليم العالي بما أنها الجهة المسئول عن كافة الملحقيات الثقافية في الخارج، حيث كتبت منذ حوالي العام مقالاً (للإطلاع على المقال) انتقدت فيه طريقة تعامل الملحقية الثقافية مع تسلط المعاهد على الطلبة وتصيدهم للطالب السعودي الذي يمثل لهم شيك مفتوح، فالملحقية لا ترد على الشكاوى الموجهة من الطلبة ضد المعهد، والطالب ليس أمامه إلا الرضوخ وتقبل رسوبه، والملحقية تدفع الرسوم لذلك المعهد بكل رحابة صدر! وعدد الطلبة في مرحلة اللغة في أمريكا لوحدها قارب الـ30 ألف طالب! ومن المضحك المبكي ما حصل مؤخراً حينما زار أحد المشرفين الأقليميين بعد شكاوى عديدة معهد جامعة كانساس ليوبخ الطلبة على إعطائهم لأنفسهم الحق بتقييم المعهد، قائلاً لهم "من أنتم"، بحسب ما نشرته صحيفة عكاظ.
في النهاية لو تم زيادة عدد موظفي الملحقية ليقوموا بزيارات دورية للمعاهد لعلمت تلك المعاهد أن هناك من يدقق ورائها، وليس المطلوب هنا أن ينجح الطلاب المهملون، ولكن جل ما نبحث عنه أن تتعامل تلك المعاهد مع الطلبة السعوديين بنفس المعايير التي تعامل بها غيرهم من الجنسيات الأخرى. ولو تم فعلاً ذلك فتخيل معي كم من المبالغ سيتم توفيرها شهرياً على الدولة من رسوم تلك المعاهد، فعلى سبيل المثال في معهد ELS، والذي يضم عدد كبير من الطلبة السعوديين وله حوالي 60 فرعاً في الولايات المتحدة، الرسوم الشهرية 1730$ (6500) ريال، في الواقع أن الموظفون الجدد سيحصلون على رواتبهم من المبالغ التي سيفرونها على الدولة، هذا بالإضافة لإنصاف الطالب.
أصلح الله الحال.

الأربعاء، 6 فبراير 2013

عاطفتنا تبعدنا عن الإنصاف: عبدالله فندي الشمري مثالاً!

قضية "أقدم سجين سعودي" عبدالله الشمري اثارت الرأي العام بشكل عجيب، كنت أتابع ولا أكاد أصدق هذا التعاطف اللامحدود مع القاتل، وهذه القسوة مع أهل القتيل، حتى أن نائب أمير حائل تبرع بمنزل لأهل الشمري وفاعل خير لم يذكر اسمه تبرع بمليون ريال! بينما أهل القتيل عليهم دعوات السخط!

هل انقلبت الموازين فجأة؟!
مع كثرة القصص التي تداولها الناس من خلال مواقع التواصل الإجتماعي حول حقيقة هذه القضية اختلط الحابل بالنابل، ولكن الأكيد، وحسب حديث الشيخ علي المالكي وهو متابع للقضية وحاول التدخل مراراً لكي يتنازل أهل القتيل، أن ٧٥ قاضياً صادقوا على الحكم، وأن خادم الحرمين الشريفين أمر بإعادة الحقيق في القضية وإحالتها للمحكمة العليا التي صادقت أيضاً على حكم القصاص، كما أن عبدالله الشمري تم أخذه لساحة القصاص ١٦ مرة، وبسبب الشفاعات من الأمراء والوجهاء، او لنقل "الواسطات" تم تأجيل تنفيذ الحكم!
يتسائل البعض وهل قتل الشمري بعد ٣٢ عاما على الجريمة سيعيد القتيل للحياة، والواقع أنه لم تم قتله بعد ساعة واحدة من الجريمة فإن ذلك لن يعيد القتيل للحياة، ولكن هذا شرع الله. لقد تناسى البعض في غمرة العاطفة أن القتل جريمة نكراء يهتز لها عرش الرحمن، وتناسوا أن العدل والإنصاف أولى من العواطف.
لماذا لا نسمع السؤال الأهم والمنطقي، لماذا بقي كل هذه المدة دون تنفيذ الحكم فيه؟
بأي شرع وأي دين يحرم أهل الدم من حقهم بسبب وجاهات وواسطات؟
هل نتخيل حجم مشاعر الألم في نفوس أهل القتيل وهم يرون قاتل ابنهم يُخرج به ١٦ مرة ثم يعاد دون تنازل منهم! أليست إحدى الغايات من قتل القاتل أن تهدء نفوس أهل القتيل بدلاً من تنامي شعور الغضب والرغبة بالإنتقام؟
لقد وصلت الصفاقة ببعض الناس أن دعوا بل وشتموا أهل القتيل على "قسوة" قلوبهم، تداولوا صوراً لإبنة الشمري مذيلة بأن هذه الفتاة الصغيرة ستصبح يتمية بعد ساعات، تناسوا أن الطرف الآخر "المظلوم" لديهم صور لمعاناة ودموع وقهر استمر كل هذه السنوات.
ما حدث حقيقةً في هذه القضية مخجل ومؤلم، لقد تم تعذيب أهل القتيل طوال هذه المدة وزادوا ألمهم ألم، كما تم التدخل دون وجه حق في تأجيل حكم قضائي نافذ، وحتى الشمري نفسه تم قتله أكثر من ١٦ مرة حينما يُخرج به لساحة القصاص ثم يعاد.
مجتمعنا يحتاج أن يستيقض من سباته وينظر للأمور بعقلانية تغلب على العواطف، شبه يومياً نشاهد المناشدات التي تطوف أرجاء الصحف ومواقع التواصل الإجتماعي لجمع الملايين لعتق رقبة فلان وعلان. بعاطفتنا جعلناها تجارة، بينما الأصل إما أن يتم العفو والصلح من أهل القتيل لوجه الله دون مقابل، أو أن يأخذوا الدية الشرعية، أما أن تصل هذه المبالغ لملايين، فقد تحولت لتجارة! والأنباء الآن تتواتر عن وجود سماسرة وخبراء في هذا المجال، يذهبون لأهل القتيل ويديرون لهم المفاوضات على مبلغ التنازل بمقابل يحصلون عليه، وفي المقابل أهل القاتل يتصدر منهم شخص يجمع الملايين ويحث الناس على التبرع، وله في النهاية مقابل، وكلما زاد المبلغ زادت الأرباح.
العفو والإصلاح فضيلة كبيرة عند رب العالمين، ولكن لنسأل أنفسنا بصدق وأمانة، هل هذا هو شرع الله الذي نعرف، أما هذا ما أوصلتنا له عواطفنا؟
رحم الله الرشيدي والشمري، وألهم ذويهما الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الجمعة، 18 يناير 2013

العبودية بشكلها الجديد.. الجيش الأمريكي كمثال!



عانت البشرية من العبودية لقرونٍ عديدة، وقد انتهت حقبة العبوديةِ رسمياً، وأصبحت مجرّمةٌ دولياً، ولكنها عادت بأشكالٍ مختلفة، وأصبحت أسوء حتى من العبودية التقليدية!

في مادة حقوق الإنسان كنا نتحدث عن قضايا إنتهاكات حقوق الإنسان، كان من ضمن المواضيع الهنود الحمر والسود في أمريكا، والمتاجرة بالبشر، وحروب الإبادات الجماعية، وحرب العراق. كل موضوع من هذه المواضيع ملف لا ينتهي من الإنتهاك والإجرام ضد البشرية.

كان نصيبي أن أقدم عرض حول حرب العراق، عرضت للقاعة فيلم وثائقي قصير عن إنتهاكات سجن أبوغريب الشهيرة، كانت المناظر مقززة، والتأثر بادي على جميع الحضور. لم أرغب بالتركيز على هذه القضية تحديداً، ولكني سقتها كمثال لما يجري هناك، وكانت نقطتي الرئيسية للحديث عن الجندي عموماً، والجندي الأمريكي في العراق خصوصاً. هذه الجرائم نفذها جنود، الإبادات الجماعية نفذها جنود، والقتل والتعذيب والإغتصاب نفذها جنود! من هؤلاء الجنود؟ أليسوا بشراً مثلنا؟ أليس لهم عوائل وأطفال؟ ألم يدرسوا معنا وينشؤ مثلنا؟ إذاً لماذا يفعلون ذلك بينما نحن نتقزز ونرغب بالبكاء من هذه المناظر المريعة؟!

خلصت إلى نتيجة أن الجندي يعطي لنفسه العذر بأنه يتبع الأوامر، لا يهم ما هي الأوامر وهل هي انتهاك للإنسان وضد مبادئه أم لا، المهم أنه ينفذ الأوامر للنجاة من العقاب الذي قد يلحق به وهو ما يساهم في زيادة هذه الإنتهاكات. كان لدينا طالبة سوداء في القاعة تعمل جندية في الجيش الأمريكي، وقد قالت أن تنفيذ الأوامر واجب، وبما أننا وقعنا على استمارة الإلتحاق بالجيش، فهذا يعني أننا تنازلنا عن حقنا في الرفض، ويجب أن ننفذ. قلت لها أنتي تقولين بإختصار أنك توقعين عقد عبوديتك بيدك. وهل تجدين مبرراً لنفسك أن تقتلي أو تعذبي أحداً لأنه أمر؟ قالت نعم. قلت لها إذا قال لك قائدك بأن تقتلي طفل عمره سنتان، هل تقتلينه؟ قالت دون تردد أنها ستفعل! ردها كان صاعقاً للجميع، وربما الغرابة أنها صرحت بذلك ولم تبالي بأحد، ولكنه في النهاية واقع، وهو ما يفسر ما نراه من إجرام الجيش الأمريكي في العراق وافغانستان، وفي سيء الذكر معتقل جونتنامو. أنهم يدربونهم على الطاعة العمياء، على عدم التفكير والتنفيذ فقط، هذا بالإضافة إلى رفض الحكومة الأمريكي حتى اليوم الإنضمام إلى أي جهة دولية قد تلاحق مواطنيها بتهم إنتهاكات أو جرائم حرب، وأحد أشهرها المحكمة الجنائية الدولية.

كل هذا تم في مادة حقوق الإنسان، ولا أعلم حقيقةً لماذا تدرس هذه المادة، ولكني ذكرتها أننا حينما كنا قبل أيام نتناقش ونشاهد ما كان يعانيه السود في أمريكا من انتهاكات وفصل عنصري وقتل حتى بعد إنتهاء العبودية رسمياً في أمريكا، كنتي متأثرة للغاية، وتلومين الرجل الأبيض على ما تم، ولكني أود تذكيرك أن كثير من هذه الإنتهاكات تمت على يد الشرطة الأمريكية، وكان أفراد الشرطة ينفذون الأوامر حينها، فلماذا تلومينهم ولا تلومين نفسك حينما تقررين قتل طفل ليس بينك وبينه شيء لمجرد أن القائد أمرك بذلك. اكتفت بالقول أن هذا يختلف عن ذاك. هنا تدخل جندي آخر ولكنه يبلغ من العمر 52 عاماً، قال أنه قضى عمره في الجيش وذهب للعراق وأفغانستان، وكان عبداً بكل ما تعنيه الكلمة للأوامر، وهو يعاني منذ سنوات من إضطرابات، ويعيش على المهدئات، فهو لا يستطيع النوم بدونها، ولا يستطيع حتى أن يقود سيارته أو يتحدث لنا الآن بهذا الهدوء من دونها، ويعتقد أنها ستلازمه العمر كله. قال أنه لاشك لديه البته أن من قاموا بعمليات التعذيب في سجن أبوغريب تلقوا أوامر من قيادتهم. كان لديه الكثير، ويرغب بالحديث، ولكنه فجأه توقف، وقال لا استطيع أن أكمل، فلربما أقع في مشاكل.

أخبرتهم لاحقاً أن مبدأ تنفيذ الأوامر لا يعفيك حتى من المسئولية القانونية، والآن سجناء النظام السابق في مصر كان أهم تبريراتهم تنفيذ الأوامر، ولكن هذا لم يعفهم من العقاب، وضربت لهم مثلاً بالجيش المصري الذي رفض تنفيذ الأوامر وقرر أن يكون على الحياد، وهو بذلك ساهم وبشكل مباشر في الحفاظ على أرواح مواطنيه، وفي المقابل الجيش السوري اختار العبودية ونفذ الأوامر فسفك الدماء وعاث في الأرض فساداً.

في الواقع أن العبودية لها أشكال لا تنتهي وليست مقصورة على المؤسسة العسكرية. تلفت حولك لتنظر لعبيد السلطة وعبيد المال، للمطبلين الذين يجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً ليرضى السيد غير مكترثين بأي رادع.

دمتم أحراراً.

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

في الغربة أعدت اكتشاف الإسلام!


في الغربة فرصة عظيمة لتكتشف أن هناك من يفقه في الدين غير السعوديون. أعتقد أن كثير من الطلبة السعوديون في الخارج أحسوا بنفس الشعور. أتذكر في أول صلاة عيد لي في الولايات المتحدة كان الخطيب صومالي، متخرج من الأزهر، خطب خطبةً واحدة  وليس اثنتين كما تعودت أن أصليها طوال عمري في المملكة. سلمت عليه بعد الصلاة، وباركت له بالعيد، وأردت أن أنبهه "لخطأه" بأدب، وقلت له يبدو أنك يا شيخنا مستعجل اليوم ونسيت الخطبة الثانية. تبسم وقال أنتم في السعودية تصلونها خطبتين، ولكن ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلاها بخطبة وبخطبتين. للأمانة كانت الحادثة مفصلية، كأني استيقضت من النوم لأعرف أن ما تعلمناه ومارسناه طيلة حياتنا لا يعني أنه لايوجد مذاهب أخرى، وآراء أخرى صحيحه. مازلت أرى بعض الطلبة الجدد يصفون أي اختلاف يرونه في الصلاة أو الدعاء بالبدعة، وهي ما يأتي على البال مباشرة. فمثلاً الشافعيه يضيفون في تسليمتهم من الصلاة لفظ "وبركاته" على "السلام عليكم ورحمة الله". الحقيقة أنك في الغربة في مدرسة مفتوحة تتعلم فيها طرق مختلفة لممارسة الشعائر الإسلامية، وهذا لايعني أنه ليس هناك ممارسات خاطئة فعلاً تكون بجهل، مثل من يتحدثون خلال خطبة الجمعة. الأهم في رأيي أن نستفسر من أي تصرف لا نعرفه، فلربما كان لهذا الفعل أصل نحن نجهله، وإذا لم يكن فهنا من واجبنا أن ننصح، وحتى النصيحة يجب أن تكون بأسلوب مهذب وغير مباشر، خصوصاً أني لاحظت بعض الحساسية من السعوديين، فهم لايحبون فكرة أن السعوديين هم أعلم الناس بالدين.
ولكن الأهم في الحقيقة أنك في الغربة تستشعر دور المسجد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. ذلك المسجد لم يكن فقط للصلاة، ولكن كان لإجتماع المسلمين ومناقشاتهم واحتفالاتهم، وكانت أيضاً تقام فيه الدروس. وهذا وضع المسجد هنا في الولايات المتحدة. أنه المكان الذي يجمعنا، ففي مسجدنا على سبيل المثال، في نهاية الإسبوع دروس للأطفال عن الإسلام واللغة العربية. ويوم الإربعاء درسٌ في اللغة العربية للكبار، كما كان لدينا درس إسبوعي في التجويد. عندما ترى تعطش الإخوة المسلمون من غير العرب لتعلم اللغة العربية من أجل التلذذ في قراءة القرآن وفهمه تعيد النظر ألف مرة في إيمانك. في الغربة تضع إيمانك على المحك، وفي اختبارٍ دائم حيث كل الملهيات المحرمة حولك ومتاحة. ولكن حينما يقصون عليك حلاوة الإيمان التي ذاقوها مقارنة بحياتهم قبل الإسلام تعرف نعمة الله عليك أن جعلك مسلماً، وأنه لم يفتك شيء في حياتهم، فهم جربوا كل ملاهي الدنيا، وفعلوا من الموبقات ما لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك لم يجدوا السعادة، وهربوا من تلك الحياة إلى الإسلام.  أتذكر أني سألت أحد الإخوة الأمريكان عن سبب إصراره الدائم على لبس الطاقية والملابس الفضفاضه "جلباب". فقال أعلم أنها ليست عقيدة أو جزء من الدين، وأعلم أني استطيع أن أصلي دون لبسها، ولكني ألبسها في كل مكان لكي يعرف الناس أني مسلم، أريد أن أمشي في الشارع ويعرف كل من يراني أني مسلم، مؤكداً أني لا أستطيع استيعاب مدى افتقادهم للهوية الإسلامية، وفخرهم الكبير بإنتمائهم لهذا الدين العظيم. كما أنه يتحسر على شباب المسلمين الذين يستميتون للتشبه بغير المسلمين.
حينما تتسنى لك الفرصة للدخول في نقاشات عن الإسلام لشرحه وتوضيح المفاهيم الخاطئة عنه مع غير المسلمين تحس بسعادة أنك ساهمت في الدفاع عن الإسلام وأوضحت لهم الخطأ. وإذا أسلم أحدهم على يديك، فهذا خيرٌ لك من حُمر النعم. الفكرة النمطية لدينا أن الدعوة للمشائخ، ولكن في الغربة تكتشف نفسك من جديد، تعرف أن مسئوليتك أن تقدم الإسلام بسماحته ورقي معانيه بالشكل الذي يليق بهذا الدين العظيم. وبسبب الأسئلة المتكررة التي تأتي عن الإسلام فإنك تبحث عن إجابات لها حتى ترد على من يسألك، وهذا بحد ذاته تثقيف جديد لك في دينك. فمن أكثر الأسئلة التي تأتيني عن وضع المرأة وحجابها، وتعدد الزوجات والعلاقات بين الجنسين قبل الزواج، وشرب الخمر والجهاد. وأجد أنه من واجبنا أن نلم بهذه المواضيع حتى نكون مستعدين للرد. أتذكر أن أحد جيراني، الذي توطدت علاقتي معه، سألني بعد تردد طويل عن صحة ما يسمعه في التلفزيون من أن المسلم إذا قتل غير مسلم فإنه يدخل الجنة مباشرة ويحصل على حوريتان. قلت له إذا كان هذا صحيحاً فلماذا لم أقتلك حتى الآن؟! ثم قلت له لن أجيبك بكلام إنشائي، ولكني سأحيلك للقرآن، وشرحت له معنى الآية الكريمة (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) وفي هذه الآية لم يحدد الله عز وجل الديانة، قال "نفساً".
دمتم بخير.،،،

الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

الإجهاض في أمريكا.. ومليون حالة حمل للمراهقات سنوياً!



في الولايات المتحدة تعتبر قضية الإجهاض المتعمد أحد أكثر القضايا جدلية في المجتمع الأمريكي، فهناك من يعارضها لأسباب دينية وهي قتل النفس، وهناك من يؤيدها بدعوى حرية المرأة في إتخاذ قرارها والتحكم في جسدها. في عام 1973 أعلنت المحكمة العليا أن للنساء حق دستوري في الإجهاض، ثم في عام 2003 وقّع الرئيس الأمريكي جورج بوش قانون يحظر الاجهاض في المراحل الأخيرة من الحمل، حيث قال إن الحكومة "تدافع عن الأطفال الأبرياء".هذه القضية نجدها حاضرة دائماً في اللعبة الإنتخابية، فبينما يعارض الحزب الجمهوري الإجهاض، فإن الحزب الديموقراطي يدعمه. وقد أظهر استطلاع لرويترز أن الرئيس الأمريكي بارك أوباما حصل على تأييد 55% من أصوات النساء لنظرته المرنة تجاه قضايا حقوق الإجهاض وزواج المثليين. وقد بلغ عدد حالات الإجهاض منذ عام 1973 وحتى الآن أكثر من 55 مليون حالة، وهذه السنة 2012 لوحدها تجاوزت المليون حالة.
في عام 2009 كان الطبيب جورج تيلر (67عام) يهم بدخول كنيسة قبل أن يُغتال من قبل مسلح لاذ بالفرار، وهذا الطبيب كان من القلائل الذين يوافقون على اجراء اجهاض في فترات متقدمة من الحمل. وكثيرا ما كانت تنظم تظاهرات مناهضة له امام عيادته التي كان يجري فيها عمليات الاجهاض، وقد صدرت إدانة شديدة من الرئيس بارك أوباما على هذه الحادثة مؤكداً أن قضية لن تُحل بالعنف.
وفي بلد يبلغ حمل المراهقات فيه أكثر من مليون حالة سنوياً، وهي الأعلى عدداً ونسبة في العالم، يبذل المتدينون جهوداً مضنيه لتجريم الإجهاض، وهناك جمعيات كثيرة تزور المراكز الطبية التي تستقبل الحوامل الراغبات بالإجهاض وذلك لإقناعهن "بحرمة" الإجهاض، ويحالفهم الحظ أحياناً في إقناع البعض، كما أن جميع مراكز الرعاية الصحية في أمريكا تقدم الواقيات الذكرية مجاناً وذلك في محاولة للحد من حالات الحمل الغير مرغوب به.. ولكن ما يثير حيرتي فعلاً والتي طرحتها على استاذي وزملائي في المحاضرة، لماذا يركز معارضوا الإجهاض عليه، بينما لانسمع منهم معارضه أو حتى تحذير من ممارسة الجنس قبل الزواج، وهو محرم في المسيحية بالمناسبة. بإختصار هم يركزون على النتيجة، لكنهم لايحاولون معالجة الأسباب، وأهمها "الجنس قبل الزواج" والذي أدى لحمل أكثر من مليون مراهقة! لم يعلق أحد من زملائي، لكن الأستاذ قال بالتأكيد أن ما تقوله صحيح، لكن بسبب أن الجنس قبل الزواج أصبح هو الأصل في المجتمع الأمريكي، فإننا نناقش النتائج ونتجاهل الأسباب، مؤكداً أن الجميع يعلم أن المسيحية تحرم الجنس قبل الزواج، ولكن الجميع أيضاً يتجاهل هذه الحقيقة.
دمتم بخير.

الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

وفاز أبوحسين.. دروس وعبر .. شاهدتها!



اسدل الستار البارحة على فوز كبير للرئيس الأمريكي بارك أوباما على نظيرة مت رومني، ومخالفاً كل التوقعات واستطلاعات الرأي، حيث فاز أوباما بـ 303 نقطة، بينما حصد رومني 206، ويكفي المرشح أن يحصل على 270 نقطة ليضمن المقعد الرئاسي. وبلغ العدد الإجمالي للمصوتين أكثر من 117 مليون  ناخب.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، كانت الأجواء في الولايات المتأرجحة (أو المترددة) والتي لم تحسم لأحد الطرفين بعد صاخبه، والحملات الإنتخابية على أشدها وأنصار الفريقين ينتظرون لساعات في أجواء باردة ليسمعوا خطاب مرشحهم المفضل، مثل أوهايوا والتي اختارت لاحقاً أوباما. بينما الولايات المحسومة والتي كان يعلم المرشحان أنهما سيحصلان عليها فكانت أكثر هدوءً، فليس هناك ما يستدعي إضاعة الوقت والمال فيها، مثلاً كلفورنيا كانت محسومة لأوباما، وتكساس محسومة لرومني.
وبما أني أدرس مادة الآن عن الرئاسة الأمريكية فكان موضوع الإنتخابات حاضراً في كل محاضرة، وكانت القاعة منقسمة بين أوباما ورومني، لكن ما أعجبني فعلاً أن لامجاملة لدى الأمريكيين، فمناصري أوباما كانوا أول من ينتقده على سياساته الخاطأة ووعوده الرنانة التي لم يحقق الكثير منها، لم يحاولوا تلميع صورته أمام أنصار رومني، لكن في المقابل كانوا يؤمنون أن أوباما رغم "سؤه" أفضل من رومني. وفي المقابل مناصري رومني كانوا ينتقدونه على بعض تصريحاته والأخطاء التي صدرت منه مثل الفديو المسرب الذي تحدث أن هناك 47% من الشعب الأمريكي سيصوتون لأوباما في كل الأحوال، وأنهم لايهمونه.
بالرغم من هذه الأجواء الحماسية والتنافسية لم نرى أي احتكاك أو مشاكل بين الطرفين، كلٌ يعمل ويحترم الأخر.
والبارحة كنت أحضر تجمع في جامعتي نظمه قسم العلوم السياسية لمتابعة صدور النتائج والتي كانت تأتي تباعا،ً وكل بضع دقائق يعلن عن فوز أحد المرشحين بإحدى الولايات، فتتعالى أصوات المناصرين، كانوا يجلسون بجانب بعضهم البعض دون احتقانات أو تشنجات، أبهرنتي هذه الروح الجميلة. وقد توّج الروح الجميلة مباركة رومني لأوباما والتي تمنى بها التوفيق للرئيس وأثنى عليه، ثم حضر الرد الأجمل من أوباما الذي أثنى على رومني وفريق عمله. هذه القيم يتعلمها صغارهم وينشؤون عليها، وهي بكل تأكيد أحد أسرار سيادتهم للعالم.
سواء كنت تحب أو تكره أمريكا، يجب أن تكون منصفاً في وصف هذا العرس الرئاسي البهيج، الجميع يتوجه للشعب ويطلب رضاه لكي يحصل على أصواته ويصل للكرسي، ثم يعلم أن أمامه 4 سنوات وسيقول الشعب كلمته من خلال تقييمه لعملك، فالشعب هو الرقيب الأول. ثم إن الرئيس حتى لو ترشح لفترة رئاسية ثانية، فإنه حريص على تقديم ما يرضي الشعب عنه، فهو من جهة أخرى حريص على فوز المرشح القادم من حزبه في الإنتخابات.

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

حينما يقف الأستاذ الأمريكي مع الإسلام


أحد أساتذتي في الجامعة كان يعمل لبضع سنوات في المغرب، ثم تنقل بين مجموعة من الدول الافريقية الفقيرة، لديه خلفية عن الإسلام ويعلم (من خلال ما عرفه عن الإسلام) أن ما يرتكب من جرائم بإسم الإسلام لا تمت له بصلة، وأولها حادثة 11 سبتمبر. الرجل متفرغ لمدة سنة لتآليف كتاب، لذلك لم أره هذا الفصل الدراسي حتى اجتمعت به بالأمس في حفلة سنوية يقيمها رئيس قسم العلوم السياسية في منزله، تجمع الأساتذة وطلاب الدراسات العليا، وموظفي القسم، رحب بي كثيراً، وتغزل طويلاً بالتمر الذي احضرته للحفلة، وقال لي هل قرأت مقالي في الصحيفة عن زيارتي للمسجد الذي يقع في مدينة تبعد عنا حوالي 40 دقيقة؟ قلت لا، ولكن لماذا تبدأ بالبعيد وأنت لم تزر مسجدنا القريب جداً من الجامعة، قال لم تصلني دعوة، أهل ذلك المسجد قدموا لي دعوة للحضور، فلبيتها.
عدت للمنزل لأبحث عن مقاله الذي احتوى على أنه وحوالي عشرة أشخاصٍ معه زاروا ذلك المسجد بدعوة من أهله، وذلك مباشرة بعد الاحتجاجات الكبيرة على الفلم المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام، وماصاحبها من مقتل السفير الأمريكي في ليبيا. حضر الضيوف صلاة الجمعة، واستمعوا للخطبة التي تحدثت عن الفلم المسيء، وموقفنا كمسلمين منه، وماذا يمثل لنا جناب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. أعقبها حفل غداء للوفد، تبادلوا فيه النقاشات وطرحوا استفساراتهم على المسلمين، وسمعوا الإجابات منهم مباشرة. لقد خرج استاذي وأصحابه بإنطباع جميل عن الإسلام والمسلمين، وكان مقاله إضاءه لغير المسلمين بحقيقة الإسلام، حتى أنه ضمّن مقاله بشرح عن الإسلام، وهذا ما يحتاجه فعلاً الأمريكان، معرفة حقيقة الإسلام بعيداً عن التحريض الإعلامي الذي يمارس في كثير من وسائل الإعلام، ولعلي أقول أني لاحظت هذا التحريض في ولايتي الحالية (المسيسيبي) أكثر من ولايتي السابقة (منيسوتا)، ومقال من استاذ مهم في العلوم السياسية في صحيفة المدينة، وعلى أقل تقدير نضمن أن معظم أساتذة الجامعة والمثقفين سيقرأونه، وهذه هي الفئة المؤثرة، فهم من يُدرس الطلاب، وهم من يؤلف الكتب، وهم من يخرجوا في وسائل الإعلام المختلفة، وتبيان الحقيقة لهم هو أمر بالغ الأهمية، وقد رأيت في الحفلة كثير من الحضور يباركون للدكتور مقاله الجميل.
أعجبني جداً ماقام به الإخوة المسلمون في المدينة المجاورة من استغلال الفرصة ودعوة هذا الوفد من الأساتذة، والذي لقي قبول منهم وترحيب، وأول نتائجه هذا المقال المنصف. في أمريكا آلاف المساجد، ودورنا كمسلمين هو تعريف غير المسلمين بحقيقة ديننا، ليس شرطاً أن يسلم، ولكن مجرد معرفته بحقيقة الإسلام ستجعله بصف المدافعين عنه في كل المحافل التي يشارك بها. ماذا لو قمنا نحن المبتعثين بدعوة أساتذتنا لحضور خطبة الجمعة، وتعريفهم بالمجتمع المسلم الموجود، سنجد من يودون ذلك بالتأكيد ولكن لم تتح له الفرصة، خصوصاً إن علمنا أن الأمريكان بشكل عام يتلهفون للتعرف على الثقافات الأخرى، والإسلام الآن حديث الساعة، وهو موضوع مشوق جداً، فلنستغل الفرصة لدعوتهم لزيارة المساجد. حقيقةً ندمت كثيراً لأني لم أبادر بدعوة أستاذي للمسجد بشكل رسمي، رغم أني قلت له سابقاً في أكثر من مناسبة أننا نتمنى زيارتك لنا في المسجد، ولكن ربما أخذها كدعوة مجاملة لا أكثر. وقد أرسلت له إيميل أشكره على مقاله المنصف، وأقدم له دعوة رسمية بزيارتنا في صلاة الجمعة القادمة.
وهنا مقالة لمن أراد الإطلاع:
http://www.hattiesburgamerican.com/apps/pbcs.dll/article?AID=2012209220306

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

محاضرتي والفيلم المسيء


بدأت محاضرتي، والتي كانت بعد يومٍ واحدٍ من مقتل السفير الأمريكي في ليبيا، بمناقشة ذلك الحدث، مادتنا بالأصل عن الرئاسة الأمريكية، ومحور النقاش كان عن تأثير ذلك الحدث على حظوظ مرشحي الرئاسة في الإنتخابات الأمريكية القادمة، ولكن الحديث بالتأكيد تشعب ليغطي كل الجوانب، فضلت أولاً سماع وجهات نظر زملائي الطلاب، والتي كانت في مجملها متزنه، ثم تحدثوا عن الفيلم المسيء والذي كان سبباً في كل ذلك، سأل الدكتور عن فحوى الفيلم فهو لم يشاهده، ووصفه بعض من من شاهده بأنه فيلم سخيف وبدائي، ويحاول تصوير الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بأبشع الصفات، لفت نظري وأعجبني أن الطلاب استخدموا لفظ "النبي محمد" وليس فقط "محمد" حين ذِكرهم له صلى الله عليه وسلم، لا أعلم هل هي مجاملة لي، أم أنهم كانوا سيقولونها كذلك حتى لو لم أكن موجوداً، لم يكن الجميع قد شاهدوا الفيلم، لذلك طلب بعضهم من الدكتور أن يشاهدوه ليحكموا بأنفسهم، بدأ الدكتور يبحث عن الفيلم في اليوتيوب ووجده، حينها أردت تسجيل موقف، واستأذنت في الخروج لأني لااستطيع مشاهدة هذا الفيلم الذي ينتقص من نبينا الكريم، قال لي الدكتور أنه يتفهم تماماً موقفي، وقد بدت عليه علامات الإرتباك والتردد في عرضه، عموماً غادرت القاعة، وما هي إلا دقيقة وأجده يدعوني للدخول لأنه ألغى فكرة عرضه بعد أن شاهد أولى الثواني، وقال هذا فيلم وقح لا يمكن أن أعرضه في محاضرتي. منذ اللحظة الأولى لدخولي القاعة وأنا أحس أن الجميع ينتظر تعليقي، فأنا المسلم الوحيد في القاعة، وخروجي بسبب عرض الفيلم أثار مزيد من الإهتمام بالموضوع، حينها طلبت التعليق وأخبرتهم أولاً أن الإسلام يدين العنف بجميع أشكاله، ولم يكن يوماً الإسلام دين عنف، ولكنه دين سلامٍ واحترام، وأكدت لهم أن عقلاء المسلمين يرفضون ما حدث من عنف في ليبيا أدى لمقتل السفير هناك، ثم أننا حتى الآن لانعلم من قام بهذا العمل، والتحقيقات مازالت جاريه، وقد يكون الحادث كله مدبراً من جهات تحاول إسقاط النظام الجديد في ليبيا وزعزعة استقرارها، أو الإنتقام من الولايات المتحدة. ثم إنه لم يعد من المنطق أو العقل أن يقال أن هذه الإساءات المتتالية للإسلام تدخل ضمن حرية التعبير عن الرأي! تتوقف حريتك حينما تؤذي مشاعر الغير، هل يعقل أن 1.5 مليار مسلم تؤذى مشاعرهم تحت مبدأ حرية الرأي! ثم كيف يعتبر التشكيك "مجرد التشكيك" في الهولكوست (محرقة اليهود التي تمت على يد هتلر) جريمة يعاقب عليها القانون، بينما يهان دينٌ كاملٌ من خلال التعرض لنبيه أو كتابه، ويسمى ذلك حرية رأي! إن هذا هو منبع الإرهاب حقاً، ومع تزايد هذه الأحداث سيكون هناك ردود فعل عنيفة، وسيزيد الإحتقان ضد الغرب وأمريكا تحديداً، فالوقت قد حان لأن يصبح التعرض للأديان والأنبياء جريمة يعاقب عليها القانون، وفي نهاية المحاضرة تقدم الدكتور لي بإعتذار شديد، وقال ماكان يجب أن أفكر مجرد تفكير بعرض الفيلم دون مشاهدته أولاً.
الذهنية الغربية عموماً لا تستطيع أن تستوعب ردود الأفعال هذه، فبمجرد أن يتم التعرض لنبينا الكريم ينتفض العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه من أجل رجلٍ توفي من 14 قرناً! هم يقيسونها على أنفسهم، فعيسى عليه السلام يصور كل يوم في مسلسلاتهم الكوميدية بأشكال وصور لا تليق البته، ومع ذلك لايغضب أحد، علماً أنه عليه السلام بالنسبة لهم هو إله وليس فقط نبي!
بقي أن أقول أن دورنا كمبتعثين تحديداً هو توضح حقيقة الإسلام والذب عن رسولنا الكريم بما نستطيع، وهناك فرص كبيرة لذلك، ومثل هذه الأحداث تفتح التساؤلات حول ما هية الإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام، والقرآن، ومما شاهدت وعايشت أنهم شعب يتقبل التوضيح، ويجهل الكثير الكثير عن الإسلام.. بل إني احتاج أحياناً لشرح ماهو القرآن، فبعضهم لا يعلم أن القرآن هو الكتاب المقدس للمسلمين، ولديهم وسائل إعلام مؤثرة تقتات على تشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب!

السبت، 28 يوليو 2012

على بابها نُكئت جروحي!

هناك لحظات تضيق بك الدنيا بما رحبت، لم يكن خبر وفاتها صاعقاً لي.. فهي كانت مريضة، وقضت آخر شهرين في المستشفى، معظمها في العناية المركزة. كانت أخبارها تأتيني وأنا هناك.. في أمريكا!
لم أكن أثق بما ينقل لي، ولكني لسبب لا أعلمه كنت أحضر نفسي لذلك الخبر، أبكاني كثيراً التفكير في لحظة تلقي الخبر.. تلقيت الخبر لاحقاً، لم أبكي، أكثرت من الحوقلة، ولكني انفجرت لاحقاً!
شيء في داخلي كان سعيداً لها، فهي العابدة الطاهرة، وهي من أتعبها المرض، وهي من اشتاق للقاء أحبابها الذين سبقوها، سعدت لراحتها، قالت قبل شهرين من وفاتها حينما استيقظت فجأة من النوم تصرخ مقسمةً لمن حولها أنها رأت منزلها في الجنة، فلاتحزنوا!
كل من بكى عليها كان لمرارة فراقها فقط، فهي لم تكن إمرأة عادية أبداً، وما يهون المصاب هو ثقتنا الكبيرة بالله عز وجل أنه لايضيع عمل عامل منا، والأهم أنها كانت تشتاق للقاء بارئها.
رافقتني ذكراها في كل مكان، حتى في أمتع اللحظات كنت أتذكرها لاشعورياً، كنت أتمنى أن يعود الزمن فتعود لقاءتنا الماتعة، وأقص عليها قصصي البطيئة في السرد، فتستبق الأحداث، وتحاول أن تعلم النهاية، فأخبرها بأني سأعيد القصة من الأول إن قاطعتني، فتضحك حتى تدمع عيناها.
لا أعلم إن كنت محظوظاً أم لا حينما توفيت وأنا بعيدٌ عنها، كنت أتمنى أن أودعها، أقبل جبينها واحضنها، ولكني لا أعلم ماذا سيكون حالي لو كنت موجوداً! والحمد لله على كل حال.
عدت في زيارةٍ رمضانية، ولكن جدتي ليست هناك، وأهم طقوسي في زيارتها اليومية إنتهت، كان يشغلني سؤال منذ أن قررنا العودة للمملكة، ماذا سأفعل بعد صلاة التروايح؟! أحزنني عدم إتصالي عليها لأخبرها بأننا وصلنا بالسلامة، وأسمع صوتها المرحب وقد اختلط ببكاء فرح مع كمية غير محدودة من الأدعية.
زرت قبرها بعد تردد، أرشدني موظفوا المقبرة لقبرها، جلست عنده، وضعت يدي عليه وكأني أضعها على جسدها، سلمت عليها، وأخبرتها بحضوري، أخبرتها أن طفلي بدأ يحبو، وأجتمع مؤخراً مع ابناء أحفادها الصغار، لعبوا وفرحوا، أعتذرت منها أني لم أكن هنا لوداعها، أخبرتها أننا سنجتمع في الجنة بإذن الله، وسنعيد الأيام الخوالي. سأزور معك ياحلوتي قصر جدي أبو خالد، وقصر أخيك حسن، ذلك الرجل الذي لم أقابله في حياتي، ولكني مدين له، فهو من كفلك صغيرة بعد وفاة والدك- رحمكم الله جميعاً-، وهو الذي كان حاضراً حينما صعقتك إبنته ببراءة الطفولة بأنك لست ابنةً لحسن، وأنه أبوها هي فقط، حينها تناثرت دموعك وضاقت بك الدنيا بما رحبت، وانت تصرخين بل هو أبي.. إذاً أين هو أبي؟ فضمك حسن بحنان وقال يا هيا أنت أفضل منها، فأنا أبوك وأخوك وصديقك، حينها كفكف دموعك وتركك في وسط ابتسامة كبيرة رُسمت على ثغرك. نعم سنزوره، ونزور والدتك التي أطربتني بقصائدٍ حفظتها منها.. سنزور كل من تحبين، فأنا بكل تأكيد أحبهم لحبي لك.. يا حلوتي لا نعلم ما هي الأقدار، ولكن الدنيا لقاء وفراق، وأنتِ خلدتي ذكركِ.
أتذكرين يا حبيبتي حينما أخبرتك بأني سأغادر للبعثة؟ حينها سبقت دموعي كلماتي، وأنتي أيتها الحنونة تصنعتي الهدوء وابتسمتي، وشحتي ببصرك بعيداً عني لكي لاتزيدي الأسى، قلتِ لي ستمر سريعة بإذن الله، وتعود لنا. إن ما يهون علي حقاً أنك شرّفتي طفلي بإحتضانه، لن أنسى يا غاليتي حينما اتصلتِ علي ولم تمض بضع دقائق على ولادة عبدالله، سمعتي بكاءه فأختنقت حروفك، وبكيتِ فرحاً وكأن هذا بكرك الذي رزقتِ به بعد طول إنتظار.. أي قلب أنتِ، وأي محظوظ أنا.
غادرت قبرها، وحسبت أن أصعب اللحظات مضت، ولكني كنت مخطأ!
كان يجب أن أكسر شيءً في خاطري، وأن أزور بيتها، ملتقانا الدائم، سلكت الطريق الذي أحفظه عن ظهر غيب، سلكته وقلبي ينبض بسرعة، مشاعر مختلطة، ولكن النتيجة الأكيدة أني لن أجدها على الموعد كما هي العادة!
أصعب اللحظات كانت حينما دخلت من الباب، رأيتها وكأنها أمامي، هي بشحمها ولحمها، رأيت ابتسامتها لي، ولهفتها للقاءنا، رأيتها على كرسيها وأنا أدفعها حول النخيل، النخيل التي كانت دائماً تخبرني أنواعها، وأصبحت أعرفها نخلةً نخلة، ولكني كنت دائماً أسئلها عن أنواعها لأنها تفرح بشرح ذلك لي، هناك نخلات تحبها، وآخرى تعتب عليها لرداءة إنتاجها.. رأيتها وقد كانت جميعها مثمرة، تمنيتها في تلك اللحظة لكي تفرح وهي تخبرني بأن إنتاج هذه العام وفير.. مضى أمامي شريط الذكريات سريعاً.. اعتصر قلبي أني لا أجدها، طفل في داخلي كان يدعو الله ببراءة أن يعيدها لو قليلاً حتى نتحدث قليلاً ونضحك كثيراً.
رحم الله جدتي هيا بنت عبدالله النعيم واسكنها فسيح جناته.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.